التوجيه الملكي واعادة هيكلة الجيش

صباح اليوم السبت وجّه جلالة الملك رسالة إلى رئيس هيئة الأركان المشترك حملت في مضمونها أكثر من توجيه، وأبعد من مجرد قرار إداري. هي رسالة دولة تعرف موقعها في زمن مضطرب، وتدرك أن الأمن لا يُدار بردّ الفعل، بل ببناء القدرة على الاستباق، وعلى قراءة ما لم يقع بعد. من هذا المعنى تحديدا تنبع أهميتها، فهي إعلان واضح بأن قوة الجيش لا تُقاس بما أنجزه في الأمس، بل بقدرته على أن يبقى صالحا للغد، متقدما على تحدياته لا واقعا تحت ضغطها

في هذه التوجيهات، لا يُقدَّم الجيش العربي كمنجز مكتمل، بل كمسؤولية مفتوحة على التطوير الدائم. مؤسسة تأسست على التضحية والانضباط، وأثبتت عبر عقود طويلة أنها صمام أمان الوطن، وحارسه الهادئ في أكثر اللحظات حساسية. هذا التقدير الصريح ليس غاية بحد ذاته، بل نقطة انطلاق، لأن الاعتراف بالقيمة يفرض السعي إلى ما هو أعلى منها، ويجعل البحث عن الأفضل واجبا وطنيا لا ترفا فكريا

تنطلق الرسالة من إدراك عميق بأن طبيعة التهديد تغيّرت، وأن الحدود لم تعد تُقاس بالجغرافيا وحدها. القوة اليوم تُبنى في العقل قبل الميدان، وفي القدرة على التقدير الدقيق قبل اتخاذ القرار، وفي المرونة التي تحمي الدولة من الجمود. من هنا تأتي الدعوة إلى إعادة الهيكلة بوصفها حماية للمؤسسة، لا تشكيكا بها، وتجديدا يمنعها من التآكل البطيء الذي يصيب الكيانات حين تركن إلى تاريخها وتتأخر عن زمنها

كطيار مدني متقاعد، أدرك تماما أن الثقة وحدها لا تكفي، وأن أعلى درجات الأمان تقوم على افتراض الخطأ قبل وقوعه، وعلى الاستعداد لما لا نرغب في حدوثه. هذا المنطق نفسه يتجسد في هذه الرسالة، حيث يُطلب من الجيش أن يكون في أقصى درجات الجاهزية دون أن يتحول إلى أسير القلق، وأن يوازن بين الشجاعة والحذر، وبين التطور التكنولوجي والإنسان الذي يقوده. الحديث عن التكنولوجيا، والفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي، لا يأتي استعراضا للمستقبل، بل استجابة لواقع تُدار فيه معارك كاملة دون صوت أو دخان

ما يمنح هذا التوجيه عمقه الحقيقي أنه لا يفصل بين البنية والسلوك، ولا بين السلاح والعقيدة. فإعادة الهيكلة لا تبدأ من الجداول والتنظيمات، بل من سؤال المعنى. لماذا نعدّ القوة، كيف نستخدمها، ومتى يكون القرار الصائب هو الامتناع قبل الفعل. الجيش الذي يمتلك وضوحا في هذه الأسئلة هو جيش يصعب كسره، لأنه يتحرك بوعي لا بانفعال

وأنا أقرأ هذه الرسالة، أستحضر سيرة والدي، رحمه الله، وكل من حملوا شرف الخدمة قبلنا. أولئك الذين لم يروا في العسكرية وظيفة، بل مسارا للحياة، ومسؤولية تُؤدى بصمت. أرى في هذا التوجيه وفاءً لهم، واستمرارا لما أسسوه، وضمانة ألا تتحول تضحياتهم إلى ذكرى جامدة. إنها رسالة تقول بوضوح إن الأردن لا يكتفي بجيش جيد، بل يصرّ على أن يكون جيشه في أفضل حالاته، ولهذا فإن التعامل مع هذه الرؤية بجدية كاملة ليس خيارا إداريا، بل التزاما وطنيا صريحا

تحية للجيش العربي، مؤسسة الدولة التي تعمل بهدوء حين يعلو الضجيج، وتحضر بثبات حين يتراجع اليقين. وتحية لرسالة تعرف أن القوة الحقيقية لا تُعلن، بل تُبنى بصبر، وتُختبر فقط عندما لا يكون هناك مجال للخطأ

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

Restructuring Jordan’s Army