البوابة الأولى إلى السماء

خاطرة صباحية

في منتصف السبعينيات، أعطاني والدي — رحمه الله — ثلاثة آلاف دولار
كانت كل ما يستطيع أن يقدّمه، لكنها بدت في عيني أثمن من كنوز العالم

ومعها تذكرة باتجاه واحد: من عمّان إلى الولايات المتحدة، إلى مطار نيويورك، ثم إلى مدينة أوكلاهوما

حملت حقيبة صغيرة… ولغة إنجليزية متواضعة لا تكاد تكفي لمحادثة بسيطة
لكنني حملت شيئًا أثقل من المال واللغة معًا
حلمًا صامتًا كان يسكن داخلي منذ زمن… أن أصبح طيارًا

وعندما أُغلقت أبواب الطائرة وارتفع هدير المحركات، شعرت أن الإقلاع لم يكن مجرد حركة نحو السماء،
بل لحظة انفصال هادئة بين ما كنتُه… وما يمكن أن أصبحه

خاطرة مسائية

في هدوء المساء، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الرحلة الأولى في منتصف السبعينيات، أراها الآن كأنها لحظة فلسفية في حياة شاب لم يكن يدرك بعد عمقها. كنت واقفًا على حافة عالمين: عالم أعرفه جيدًا تركته خلفي، وعالم آخر لم تتشكل ملامحه بعد. حقيبة صغيرة، بضعة آلاف من الدولارات، ولغة إنجليزية متعثرة… لكنها كانت كافية لتضعني في مواجهة السؤال الأكبر: ماذا يمكن أن يصبح الإنسان إذا امتلك الشجاعة ليبدأ من الصفر؟

جلست قرب نافذة طائرة بوينغ 747، أتأمل تلك الآلة العملاقة التي تشق السماء بثقة. في داخلي كان شعور غريب: جزء مني مجرد مسافر صغير في مقعد قرب النافذة، وجزء آخر كان يتخيل نفسه يومًا ما في قمرة القيادة، يقود هذه الطائرة نفسها عبر الغيوم. كان الحلم يبدو بعيدًا، لكنه في تلك اللحظة لم يكن مستحيلاً. كنت أشعر أن السماء لا تقف فوقي فقط… بل تنتظرني

حين بدأت الطائرة ترتفع فوق الغيوم، بدا المشهد كأنه عالم آخر. الغيوم تحولت إلى جزر بيضاء معلقة في الفراغ، والضوء يتسلل بينها كأنه خيط ذهبي يربط الأرض بالسماء. في تلك اللحظة فهمت أن السماء ليست مجرد فضاء جغرافي، بل استعارة لحياة الإنسان نفسها. فنحن جميعًا نحلق بين أرض نعرفها ومستقبل لم يولد بعد، وبين يقينٍ مضى وغموضٍ ينتظرنا

كنت أنظر إلى ذلك الامتداد اللامحدود وأفكر أن الحياة لا تكشف نفسها دفعة واحدة. إنها مثل الأفق الذي كنت أراه من النافذة: كلما اقتربت منه، ابتعد قليلًا ليكشف أفقًا آخر. لم أكن أعرف كيف سأتعلم اللغة، أو كيف سأعيش في بلد جديد، أو كيف سأصل إلى حلم الطيران. لكنني بدأت أفهم أن الطريق لا يطلب من الإنسان معرفة النهاية، بل فقط الشجاعة ليبدأ

ومنذ تلك الرحلة أدركت سرًا بسيطًا لكنه عميق: بعض الرحلات لا تقاس بعدد الأميال بين مدينتين، بل بالمسافة التي يقطعها الإنسان داخل نفسه. الطائرة كانت ترتفع في السماء، لكن الرحلة الحقيقية كانت تحدث في داخلي. هناك، بين الغيوم، بدأ يتشكل إنسان جديد—إنسان فهم أن السماء ليست مكانًا بعيدًا نصل إليه، بل دعوة مفتوحة لمن يملك الجرأة ليحلم… ثم يسير نحو حلمه، خطوة بعد خطوة

Previous
Previous

The First Gate to the Sky

Next
Next

The Evolution of Technology and Its Impact on Pilots