الشيخ محمد أمين موسى شقمان (1893 – 1945)

كان الشيخ محمد أمين موسى شقمان الابن الأصغر بين ثلاثة إخوة، وقد نشأ في حضن جبال القفقاس؛ تلك الجبال التي تجمع بين القسوة والجمال في آنٍ واحد. كان الشتاء فيها طويلًا باردًا، والقمم مكسوة بالصخر الصلب، لكن الأنهار والغابات التي تنحدر بين سفوحها كانت تمنح الحياة دفئًا خفيًا لا يدركه إلا من عاش بين تلك المرتفعات الشاهقة. في قرية ورفان الصغيرة تعلّم منذ طفولته أن الإنسان يشبه الجبل الذي يولد بقربه؛ جذوره ثابتة في الأرض، لكن نظره يظل دائمًا متجهًا نحو الأفق البعيد. لم يكن صبيًا صاخبًا كغيره من الأطفال، بل كان هادئًا يميل إلى التأمل. كثيرًا ما كان يقف على حافة التلال، يتأمل الغيوم وهي تمر فوق القمم، ويتساءل في صمتٍ عميق عن العالم الذي يمتد خلف تلك الجبال. وكأن في داخله إحساسًا مبكرًا بأن حياته لن تبقى حبيسة حدود القرية. وفي عام 1912، قبل أن يبلغ العشرين بقليل، جاء اليوم الذي سيقسم حياته إلى فصلين: فصلٍ عاشه بين جبال القفقاس، وفصلٍ آخر سيصنعه بنفسه في طرقٍ لا يعرف نهايتها

في ذلك الصباح البارد الذي لا يُنسى، وقفت أمّه عند باب البيت الحجري، والريح تمر بين الأشجار وكأنها تودّع ابنًا يغادر لأول مرة. وضعت يدها على صدره وقالت بصوتٍ هادئ يشبه الدعاء: “المعرفة نور يا بني، ومن سار في طلبها لن يضل طريقه.” ثم تقدّم والده، رجل الجبال الذي صقلته الحياة أكثر مما صقلته الكتب، فوضع يده على كتف ابنه وقال حكمةً بقيت تسكن ذاكرته طوال عمره: “الشجاعة ليست أن لا تخاف، بل أن تمضي رغم الخوف. وإذا تعبت فتذكر أن الطريق الطويل لا يقطعه إلا من يصرّ على الخطوة التالية.” حمل الأمين تلك الكلمات في قلبه كما يحمل المسافر زاده القليل، وغادر القرية وهو يعلم أن الرحلة التي يبدأها ليست مجرد سفر، بل امتحان طويل للإرادة. كان الطريق أمامه مجهولًا، لكنه شعر أن الإنسان أحيانًا لا يختار الطريق… بل الطريق هو الذي يختار الإنسان

بدأ رحلته سيرًا عبر الجبال والغابات متجهًا نحو مدينة سوتشي على شاطئ البحر الأسود، رحلة تزيد على ثلاثمائة كيلومتر بين طرقٍ وعرة ومنحدراتٍ صامتة. كان يسير أيامًا طويلة، يبيت أحيانًا تحت ظل شجرة أو قرب جدول ماء، ويواصل الطريق مع أول خيوط الفجر. وفي الليل كان يرفع عينيه إلى النجوم ويسأل نفسه إن كانت النجوم نفسها التي يراها الآن تُرى من أماكن بعيدة في العالم. كان يشعر أن كل خطوة تبعده عن طفولته، لكنها تقرّبه من ذاته الجديدة. وعندما وصل إلى البحر للمرة الأولى وقف طويلًا أمام مياهه الواسعة. لم يكن البحر مجرد منظر طبيعي بالنسبة له؛ بل بدا كأنه بابٌ مفتوح بين عالمين: عالم الطفولة الذي تركه خلفه، وعالم المستقبل الذي ينتظره في الضفة الأخرى. عندها أدرك أن الرحلة الحقيقية بدأت الآن

ركب سفينة متجهة إلى إسطنبول. في ذلك الزمن، خلال سنوات الدولة العثمانية، كان اسم المدينة الرسمي القسطنطينية، بينما كان الناس يطلقون عليها أسماء مثل الأستانة أو إسلامبول. كانت الأمواج تضرب جوانب السفينة كأنها تختبر عزيمة المسافرين، وفي الليل كان يقف على سطحها يراقب الأفق المظلم ويشعر أن البحر يشبه الحياة؛ واسع، غامض، وأحيانًا مخيف، لكنه الطريق الوحيد للوصول إلى الضفة الأخرى. وعندما وصلت السفينة إلى المدينة وجد نفسه في عالم مختلف تمامًا. كانت المآذن ترتفع في السماء، والأسواق تمتلئ بأصوات البشر من كل اللغات، والمدينة تبدو كأنها نقطة التقاء العالم كله. هناك بدأ يشعر أن الإنسان كلما ابتعد عن بداياته اكتشف أن العالم أكبر بكثير مما ظن، وأن المعرفة ليست طريقًا واحدًا بل طرقًا كثيرة تتقاطع في مكان واحد

أقام عامًا في إسطنبول يتعلم اللغة العربية ويخالط طلاب العلم الذين يقصدون المدينة من مختلف البلاد. كانت تلك السنة بالنسبة له بابًا جديدًا انفتح على عالم أوسع. في المجالس العلمية سمع كثيرًا عن الأزهر الشريف في القاهرة، ذلك المكان الذي يقصده طلاب العلم من أنحاء العالم الإسلامي. شعر أن الطريق يقوده إلى هناك. كتب رسالة إلى والدته يستأذنها في السفر إلى مصر لمواصلة طلب العلم، فجاءه الرد بالموافقة والدعاء. وفي بداية عام 1913 ركب البحر الأبيض المتوسط متجهًا إلى الإسكندرية، المدينة التي كانت تُعرف بـ“عروس البحر المتوسط”. ومن هناك استقل القطار المتجه إلى القاهرة حيث قصد الأزهر ليبدأ فصلًا جديدًا من رحلته

في القاهرة بدأت مرحلة مختلفة من حياته. عاش في غرفة صغيرة قرب مسجد الإمام الحسين بالقرب من خان الخليلي في حي الحسين. كانت الغرفة بسيطة لا تحتوي إلا على حصير وبعض الكتب، لكنها كانت بالنسبة له عالمًا واسعًا من المعرفة. كان يقضي نهاره في حلقات العلم داخل الأزهر، يستمع إلى العلماء ويتعلم الفقه واللغة والحديث، ويقضي ليله بين الكتب حتى يغلبه النعاس. كانت القاهرة في تلك الأيام مدينة نابضة بالحياة؛ أصوات الباعة في الأسواق، ورائحة القهوة، وخطوات الطلاب في أروقة الأزهر. كان يشعر أنه يعيش في قلب عالمٍ من الفكر والتاريخ. وكان يقول لنفسه إن الإنسان قد يولد في قرية صغيرة، لكن العلم يمنحه القدرة على أن يرى العالم كله

لكن العالم خارج جدران الأزهر كان يتغير بسرعة. ففي عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، ومعها بدأت آثارها تصل إلى كل مكان. انقطعت الرسائل القادمة من وطنه، وتوقف الدعم الذي كان يصله من عائلته. ومع ذلك صبر ثلاث سنوات كاملة يحاول أن يستمر في دراسته رغم الضيق. كان يجلس أحيانًا في صحن الأزهر بعد صلاة المغرب يتأمل السماء ويقول لنفسه إن الطريق إلى المعرفة لا بد أن يمر بالصبر. لكن في عام 1917 أدرك أن البقاء أصبح مستحيلًا بعد أن انقطع عنه الدعم تمامًا، فاضطر إلى اتخاذ القرار الأصعب: العودة

بدأ رحلته من القاهرة إلى الإسكندرية على أمل أن يجد سفينة تعيده إلى بلاده، لكنه لم يستطع توفير ثمن الرحلة. عندها اتخذ قرارًا جريئًا يشبه قصص المسافرين القدامى: أن يعود سيرًا على الأقدام. انطلق عبر صحراء سيناء في رحلة استمرت ثلاثة أشهر. كانت الشمس قاسية والطريق طويلًا، لكنه كان يشعر أن كل خطوة تعلّمه معنى الصبر. مرّ بالعريش وغزة هاشم وعسقلان حتى وصل إلى يافا. وهناك علم أن القدس والمسجد الأقصى تبعد مسيرة يوم واحد، فقرر أن يتجه إليها

وصل إلى القدس ووقف في ساحات المسجد الأقصى يتأمل الطريق الطويل الذي قطعه. شعر أن تلك الرحلة لم تكن مجرد مسيرٍ شاق، بل تجربة أعادت تشكيل روحه. وفي صباح اليوم الثالث بعد صلاة الفجر، بينما كان يجلس في أحد أروقة المسجد، سمع رجالًا يتحدثون اللغة الشركسية. اقترب منهم وتعارفوا، فأخبروه عن قرية شركسية شرق نهر الأردن تُدعى صويلح يعيش فيها أبناء قومه وبعض أقاربه من جهة والدته. عند تلك اللحظة شعر أن القدر يفتح أمامه طريقًا جديدًا لم يكن يتوقعه

غادر القدس متجهًا إلى نابلس ثم إلى أريحا، وبعدها عبر نهر الأردن نحو الشرق حتى وصل إلى مدينة السلط. ومن هناك واصل الطريق عبر الجبال حتى وصل إلى قرية صويلح. عندما دخلها شعر كأنه وصل إلى محطة هادئة بعد رحلة طويلة من البحث. استقر هناك وتزوج من ابنة خاله، وبدأ يخدم المجتمع إمامًا لمسجد الشراكسة. رزقه الله خمسة أولاد وبنتًا، فصار بيته عامرًا بالحياة كما كان قلبه عامرًا بالإيمان

عاش بينهم رجلًا متواضعًا يحمل حكمة الطريق الطويل، وكان يقول إن الإنسان لا يعرف نفسه حقًا إلا عندما يسير بعيدًا عن بيته ثم يعود ليكتشف أن الرحلة كانت درسًا في معنى الحياة. ظل يعلّم الناس ويرشدهم حتى عام 1945 حين رحل عن الدنيا عن عمر اثنين وخمسين عامًا. ودُفن في مقبرة الشركس في قرية صويلح، لكن قصته لم تنتهِ عند ذلك الحد، لأن بعض الرجال لا يغادرون العالم حقًا؛ بل يبقون في الذاكرة كحكايةٍ عن الشجاعة والصبر، وكضوءٍ يذكّر الأجيال أن الطريق الطويل قد يبدأ بخطوة واحدة… لكنها قد تصنع تاريخ إنسانٍ كامل

وفي ختام هذه السيرة لا يبقى لنا نحن الأحفاد إلا الدعاء له

اللهم اغفر لجدي الشيخ محمد أمين موسى شقمان، وارحمه رحمة واسعة، واجعل قبره في مقبرة الشركس في صويلح روضةً من رياض الجنة، واجعل كل خطوة خطاها في طلب العلم نورًا له في قبره، وكل كلمة علمٍ علّمها صدقة جارية في ميزان حسناته. اللهم كما كان قلبه عامرًا بالإيمان فاملأ قبره نورًا وطمأنينة، واجمعنا به في جناتك جنات النعيم

Previous
Previous

How to Become a Pilot

Next
Next

كيف تصبح طيارًا