رحلتي الأولى على متن بوينغ 727 في شركة عالية
خاطرة صباحية
في صباح 6 فبراير 1980، وقفتُ على عتبة تجربة جديدة لم تكن مجرد رحلة جوية، بل خطوة أولى في عالمٍ حلمت به طويلًا. كانت السماء ملبّدة بالغيوم، وكأنها تختبر شجاعة الداخلين إلى فضائها
وصلت إلى المطار قبل الإقلاع بساعتين، بينما كان الصباح لا يزال هادئًا، يحمل مزيجًا من الترقب والحماس
هناك، في مكتب الدسباتش، كنت أراجع الأوراق والوثائق بعناية، وأشعر أن كل تفصيل صغير هو جزء من طريق طويل نحو السماء
لم تكن تلك مجرد بداية يوم عمل… بل بداية مرحلة جديدة في حياتي، المرحلة التي يبدأ فيها الحلم بالتحول إلى واقع
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أعود بذاكرتي إلى ذلك الصباح من شتاء عام 1980، أراه كأنه بوابة خفية بين زمنين. زمن الشاب الذي يحمل الحلم، وزمن الرجل الذي بدأ يلمس ملامح ذلك الحلم بيديه. كانت تلك الرحلة الأولى على متن بوينغ 727-200 أكثر من مجرد مهمة تدريبية؛ كانت لحظة اختبار للعلاقة بين الإنسان والسماء
حين وصلنا إلى الطائرة، بدأت جولتي الأولى كمهندس طيران. كان مدربي، المهندس عامر حبجوقة، يشرح لي تفاصيل الطائرة بهدوء وثقة. من أجنحة الطائرة إلى المحركات، ومن العدادات إلى المفاتيح في غرفة القيادة، كان كل شيء يبدو كعالمٍ معقد ينبض بالحياة. وقفت أمام لوحة العدادات، أشعر أن سنوات الدراسة والتدريب بدأت تأخذ شكلها الحقيقي أمامي. لم تعد المعرفة كلمات في الكتب، بل أدوات ومسؤوليات بين يدي
عندما أقلعت الطائرة في الساعة السابعة والنصف صباحًا، وارتفعت عجلاتها عن الأرض، شعرت بمزيج غريب من الحماس والرهبة. لم يكن المشهد مجرد غيوم تمرّ خلف النافذة، بل إحساس بأنني دخلت عالمًا جديدًا. عالمٌ تتحول فيه القرارات الصغيرة إلى مسؤوليات كبيرة، ويصبح الهدوء في قمرة القيادة جزءًا من لغة السماء نفسها
عند وصولنا إلى مطار القاهرة، كانت تلك اللحظات فرصة لرؤية تفاصيل العمليات الجوية من زاوية مختلفة. مراقبة تزويد الطائرة بالوقود، والاستعداد للعودة، كانت بالنسبة لي دروسًا حيّة لا يمكن أن تعلّمها الكتب. أدركت أن الطيران ليس مجرد تحليق بين المدن، بل منظومة دقيقة من المعرفة والانضباط والعمل الجماعي
وعندما عدنا إلى مطار ماركا وهبطت الطائرة بسلاسة، انتهت الرحلة الأولى، لكنها في الحقيقة كانت بداية الطريق. في غرفة العمليات، كتب مدربي تقرير الرحلة ثم سلّمه لي بابتسامة وقال
"رحلتك الأولى كانت ممتازة… وكأنك وُلدت لتكون في هذا المكان"
مرت الأيام بعد ذلك، وتزايدت الرحلات والتجارب. وبعد شهرين تقريبًا، في 4 أبريل 1980، كانت رحلتي النهائية إلى مطار أثينا مع المهندس بسام أبو حجلة. كانت رحلة ناجحة بكل المقاييس، ومعها تم اعتمادي رسميًا كمهندس طيران
لكن نهاية التدريب لم تكن نهاية قصة، بل بداية رحلة أطول بكثير
رحلة تعلم مستمر، وإصرار لا ينطفئ، وخطوة أقرب نحو الحلم الأكبر
أن أجلس يومًا في مقعد القيادة،
وأحمل مسؤولية الطائرة
وأحلق بها نحو الأفق البعيد