الإعلام بين الأثر والغاية

الخاطرة الصباحية

الإعلام ليس مرآة تعكس الواقع فقط، بل أداة تصنعه. فهو القادر على توسيع الوعي أو تضييقه، وعلى الارتقاء بالإنسان أو تسطيحه. وحين يفقد الإعلام بوصلته القيمية، يتحول من وسيلة معرفة إلى قوة خفية تعيد تشكيل العقول دون مساءلة. ليست المشكلة في وفرة الرسائل، بل في غياب الغاية.

الخاطرة المسائية

لم يكن الإعلام يوماً ترفاً عابراً في حياة المجتمعات، بل كان – منذ نشأته الأولى – أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي. تغيرت وسائله، وتسارعت أدواته، لكن جوهره بقي واحداً: نقل الأفكار، وصياغة الرأي، وربط الفرد بعالمه القريب والبعيد. ومع هذا الاتساع الهائل في الفضاء الإعلامي، لم يعد الإنسان متلقياً محايداً، بل أصبح هدفاً دائماً لتأثيرٍ مباشر وغير مباشر.

لقد ألغى الإعلام الحديث المسافات، واختصر الزمن، وجعل العالم حاضراً في لحظة واحدة. غير أن هذه القوة الاستثنائية حملت معها وجهاً آخر: فوضى الرسائل، وتضخم المحتوى، وتراجع القدرة على التمييز بين المعرفة والتضليل. لم يعد الخطر في غياب المعلومة، بل في وفرتها غير المنضبطة، وفي تحوّل الإعلام إلى فضاء ملوث يعيد تعريف القيم والسلوكيات تحت مسمى الحداثة والانفتاح.

ما يُبث اليوم من برامج وأعمال ومسلسلات لا يأتي دائماً بريئاً؛ فكثير منه يُقدَّم بوصفه نموذجاً للحياة، بينما يحمل في طياته إعادة هندسة بطيئة للسلوك الإنساني، وتطبيعاً مع أنماط غريبة عن البنية الأخلاقية للمجتمع. وحين تفقد المجتمعات مناعتها الثقافية، تصبح أكثر قابلية لاحتضان ما يُبث، بل والمشاركة في ترويجه، وكأنه قدر لا مفر منه.

الإعلام هنا لا يعمل منفرداً، بل يستفيد من خللٍ أعمق في المنظومة التعليمية والتربوية.
فحين يضعف التعليم، ويغيب التفكير النقدي، يتحول الإعلام من أداة تثقيف إلى سلطة بديلة. لذلك فإن الحديث عن إصلاح الإعلام لا يمكن فصله عن إعادة بناء العقل منذ الطفولة، داخل الأسرة والمدرسة معاً.

لسنا بحاجة إلى تقييد حرية الاختيار، بل إلى رفع مستوى الوعي. فالإعلام الحر لا يعني الإعلام المنفلت، والحرية لا تعني التخلي عن المسؤولية. المطلوب هو إعلام يحمل هوية الأمة دون انغلاق، وينفتح على العالم دون ذوبان، إعلام يحترم اللغة، ويصون القيم، ويخاطب العقل لا الغرائز.

الإعلام هو صورة الأمة عن نفسها. به تعرف ذاتها، وتقدّم قضاياها، وتصوغ رؤيتها للمستقبل. وإذا أُحسن توظيفه، أصبح قوة نهضة، وإذا أسيء استخدامه، تحول إلى أداة تفكيك ناعمة لا تُرى آثارها إلا بعد فوات الأوان.

لقد آن الأوان للانتقال من إعلام التوجيه إلى إعلام الوعي؛
من إعلام يُملي، إلى إعلام يُحاور؛ من رسالة أحادية الاتجاه، إلى فضاء استيعاب ثقافي يتيح للإنسان أن يفهم، لا أن يُقاد.

فالشباب اليوم يعيشون مرحلة التشكّل الفكري، والإعلام هو أحد أبرز المساهمين في صياغة أحلامهم، وتحديد أولوياتهم، ورسم علاقتهم بذواتهم ومجتمعاتهم. وإذا لم يكن الإعلام شريكاً في بناء الإنسان، فسوف يكون – شاء أم أبى – شريكاً في هدمه.

الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، ورسالة قبل أن يكون صناعة. ومن يملك الكلمة، يملك القدرة على البناء… أو الهدم 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

بين القول والفعل

Next
Next

ثقافة بلا رؤية… وفكر بلا أفق