الزمن من منظور طيّار

خاطرة صباحية

في سنوات التقاعد، حين أجلس بهدوء مع قهوتي الصباحية، أسترجع أحيانًا كيف كان الزمن يبدو داخل قمرة القيادة. لم يكن مجرد أرقام على ساعة أو ساعات تُسجَّل في دفتر الرحلات. هناك في الأعلى، كان للزمن ملمسٌ خاص. كان يمتد على طول الأفق، وينطوي في لحظات وعيٍ عميق

علّمني الطيران أن الزمن لا يُعدّ فحسب، بل يُعاش. فالرحلة لم تكن مجرد مسافة تُقطع، بل تحوّلًا داخليًا دقيقًا يحدث بين الإقلاع والهبوط. كانت السماء تعيد ترتيب أفكاري، وتوسّع إدراكي، وتعمّق حضوري. في ذلك الارتفاع، بدا الزمن أقل ميكانيكية وأكثر حياة

خاطرة مسائية

ومع سكون المساء، أفهم بوضوح أكبر معنى تلك الساعات في الجو. صحيح أن الطيران كان يتطلب دقة صارمة والتزامًا بالجداول، لكن التجربة نفسها كانت تتجاوز القياس الصارم. عند الارتفاع المستقر، بعيدًا عن ضجيج الأرض، كان الزمن يبدو مرنًا—لا يخضع للساعة بقدر ما يخضع للوعي

نظن أننا نتحرك عبر الزمن، لكن في السماء كنت أشعر أحيانًا أن الزمن هو الذي يتحرك عبرّي. كان يختبر صبري، ويصقل تركيزي، ويمنحني منظورًا أوسع. رحلة طويلة قد تمر كأنها لحظة عابرة، وقرار واحد قد يبدو خارج حدود الزمن

وعندما أنظر إلى الوراء، أدرك أنني لم أتنقل بين القارات فحسب، بل عبرت مراحل مختلفة من ذاتي. بين الإقلاع والوصول، بين الشباب والتقاعد، لم يكن الزمن شيئًا أخسره أو أكسبه، بل شيئًا عشته بامتلاء، معلقًا بين الأرض والسماء

Previous
Previous

الطيران كتشخيص رمزي للزمن

Next
Next

بين الحلم والواجب