هي… والتفاصيل التي لا تشيخ

خاطرة صباحية

في هذا الصباح، لا أبدأ يومي بالقهوة فقط… بل بذكرى وجهٍ لم يتغير منذ أول لقاء. هي اليوم “تيتا”… جدة تملأ البيت حناناً، لكنها في قلبي ما زالت تلك التي التقيتها قبل 45 عاماً، بنفس الدفء، ونفس النور
تعلمت أن أجمل ما في الحياة ليس ما نعيشه وحدنا، بل ما نعيشه مع من لا يتغيرون في داخلنا، مهما تغيّر الزمن من حولهم

خاطرة مسائية

بعد أكثر من أربعين عاماً معلّقة بين السماء والأرض، كنت أظن أنني فهمت قوانين المسافة… كيف تُقاس، وكيف تُختصر، وكيف تُحتمل. كنت أظن أن البعد يُقاس بالأميال، وأن القرب يُمنح باللقاء. لكنني لم أدرك أن هناك نوعاً آخر من القرب، لا يخضع للجغرافيا، ولا تعنيه المسافات، ولا تُفسّره الخرائط

في الطيران، تعلّمت أن كلما ارتفعت أكثر، بدا العالم أصغر… المدن تتحول إلى نقاط، والطرق إلى خطوط رفيعة، والبشر إلى فكرة عابرة. لكن شيئاً واحداً استعصى على هذا التصغير كله… حضورها في داخلي. كان ثابتاً، واضحاً، بحجم الحقيقة نفسها. كأن القلب يملك مقياسه الخاص، الذي لا يعترف بعلوّ ولا انخفاض، بل يحتفظ بما يحب كما هو، كاملاً، دون نقصان

كنت أظن أنني أعرف معنى العودة… مطار، مدرج، إشارة هبوط، وتصفيق خافت عند الوصول. لكنني معها فهمت أن العودة ليست حدثاً، بل حالة. أن هناك أماكن لا تُزار، بل تُسكن فيك. وأن بعض الوجوه ليست محطة… بل وطن. هي لم تكن مجرد انتظار في نهاية الرحلة، بل كانت البداية التي لم أغادرها يوماً، حتى وأنا أبتعد آلاف الأقدام

ومع مرور السنوات، تغيّرت الأدوار كما تتغيّر الفصول… أصبحت “تيتا”، تحمل في عينيها امتداد الزمن، وتمنح الأحفاد ما منحته لي يوماً دون أن ينقص منها شيء. وكأن الحب الحقيقي لا يُستهلك، بل يتكاثر كلما أُعطي. لكن الأجمل، وربما الأعمق، أنها لم تتغير في داخلي… بقيت كما هي، تلك اللحظة الأولى التي لم يغمرها الزمن، ولم تبهت تفاصيلها

حين تأملت الأمر أكثر، أدركت أن الزمن لا يمر على الجميع بالطريقة نفسها. هناك من يأخذهم معه، وهناك من يتركهم في نقطة نقية خارج حساباته. كأن بعض الأرواح تُكتب بلغة لا يفهمها الزمن… فلا يجرؤ على تعديلها. هم لا يكبرون فينا، بل نحن من ننضج حولهم

في السماء، كل شيء محسوب… الارتفاع، السرعة، الاتجاه، حتى الخطأ له معادلة. أما معها، فكل شيء كان خارج الحسابات… وهذا ما جعله صادقاً. فهمت أن أجمل ما في الحياة لا يُقاس، ولا يُبرر، ولا يُشرح. هو يُعاش فقط… ببراءة اللحظة الأولى، وبثقة لا تحتاج دليلاً

كنت أظن أن الرحلات تُقاس بعدد الساعات التي نقضيها في الجو، أو بعدد المدن التي نلمسها سريعاً ثم نغادرها. لكنني اليوم أعلم أن الرحلة الحقيقية لا تُسجَّل في دفتر الطيران… بل في القلب. كل لحظة معها كانت انتقالاً من معنى إلى معنى، من بساطة إلى عمق، من عابر إلى خالد. حتى الصمت كان حديثاً، وحتى العادي كان استثنائياً

الحياة تشبه الطيران… تحتاج إلى توازن دقيق بين ما نتحكم به وما نتركه للقدر. لكن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى توازن… لأنه لا يميل أصلاً. هو ثابت، كنجمة لا تُرى في النهار لكنها موجودة دائماً. هو أشبه بنقطة في جهاز الملاحة، لا تُخطئ مهما تغيّرت الطرق… بل نحن من نحتاج أن نعيد توجيه أنفسنا نحوها كلما ضللنا

وفي نهاية كل يوم، حين أهبط من ضجيج العالم إلى سكوني، أكتشف حقيقة لم أكن أراها من قبل… أن أعظم ما كسبته لم يكن خبرتي في السماء، ولا عدد الرحلات، ولا اتساع الأفق… بل وجودها الثابت، الهادئ، العميق، الذي لم يطلب شيئاً، لكنه أعطى كل شيء

تعلمت أخيراً أن العلاقات لا تُبنى باللحظات الكبيرة التي نُخطط لها… بل بالتفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح قدراً. وأن بعض الناس لا يعبرون حياتنا مروراً… بل يرسون فيها، كما ترسو السفن في موانئها الأخيرة، حيث لا رغبة في الإبحار بعدها

هي لم تكن فقط شريكة عمر… كانت المعنى الذي أعاد تعريف العمر نفسه. كانت الرحلة حين فقدت الاتجاه، والوجهة حين ضاعت الخرائط، والسبب الذي جعل لكل هذا الارتفاع قيمة

والحكمة التي بقيت معي، بعد كل هذا العلوّ… أن من نحبهم بصدق، لا نعيش معهم فقط… بل نعيش بهم. وأن أجمل ما يمكن أن يحدث لإنسان، ليس أن يصل بعيداً… بل أن يجد من يجعله، مهما ابتعد، يعرف دائماً أين يعود

Previous
Previous

She… and the details that never age

Next
Next

حين ينضج العمر… يهدأ الضجيج وتصفو الرؤية