اللحظة بين الماضي والمستقبل

خاطرة صباحية

الآن، وبعد أن تقاعدت، أرى بوضوح أكبر كيف كنت أعيش معلقًا بين أفقين. كانت الجداول تستحضر الماضي — رحلات سابقة، مطارات مألوفة، وساعات متراكمة — وفي الوقت ذاته كانت تدفعني نحو مستقبل مرسوم سلفًا. وبين هذين الامتدادين كانت تقف اللحظة الحاضرة، هشّة وعابرة، لا تستقر طويلًا

كطيار، نادرًا ما كنت أعيش «الآن» بمعناه الخالص. حتى في فترات التوقف بين الرحلات، لم يكن هناك سكون داخلي. كنت إما أستعد لما سيأتي، أو أسترجع ما مضى. كل لحظة كانت تحمل ثقلين: توقّعًا وذكرى. لم يكن الحاضر نقطة راحة، بل ممرًا ضيقًا بين إقلاع وهبوط

خاطرة مسائية

في هدوء المساء، أُدرك الحقيقة الأعمق لذلك الوجود. لم يكن جدول الرحلات مجرد أداة تنظيم، بل تجسيدًا لزمنٍ انتقالي دائم. كان يذكّرني دون أن أشعر أنني دائمًا في طريقٍ ما — لا مستقرًا تمامًا، ولا منتهيًا تمامًا. ذاهبًا إلى رحلة، عائدًا من أخرى، أو مستعدًا لما يليها

ربما هذا هو الجوهر الخفي لمهنة الطيار: حياة مؤقتة على الدوام. حركة مستمرة بين نقطة غادرتها ونقطة لم تبلغها بعد. بين ماضٍ انقضى ومستقبل ينتظر. أما الحاضر الخالص، إن ظهر، فكان خاطفًا يكاد لا يُمسك

اليوم، وقد استقرّت قدماي على الأرض، أفهم أن هذا العبور الدائم لم يشكّل مسيرتي المهنية فحسب، بل صاغ حياتي الداخلية أيضًا. تعلمت ألا أتعلق بالوصول تعلقًا مفرطًا، وألا أخشى المغادرة. وربما تلك هي الحكمة الهادئة التي يتركها الطيران في النفس: أن الحياة نفسها رحلة بين ما كان وما سيكون، وأن الفن الحقيقي يكمن في عبور ذلك الممر الضيق بوعيٍ وسكينة

Previous
Previous

عندما تصبح الجداول مرايا للوجود

Next
Next

The Moment Between Past and Future