درس من الريح
خاطرة صباحية
في تلك الليلة، لم تكن السماء مجرد قبة من الغيوم، بل كائنًا حيًا يتنفس بهدوء ومكر. أقلعت بطائرتي الصغيرة، أحمل طرودًا إلى وجهات بعيدة، لأناس لن يعرفوا أبدًا أن رسائلهم عبرت فوق هاوية غير مرئية—هاوية تختبر الروح قبل الجسد
كان الجو ساكنًا، لكن سكونه كان مريبًا، كسكون حيوان يتربص في الظل. في سبعينيات ذلك الزمن، لم تكن هناك أجهزة ذكية تنبهك إلى الخطر؛ كان الطيار هو الجهاز. أقرأ الرياح كما تُقرأ الوجوه، وأشعر بتغير الضغط كما لو أن قلبي هو المؤشر الأهم
ثم جاءت الريح. همسة أولى بالكاد تلتقطها الأدوات، لكنها كافية ليرتجف الجناح. ثم تحولت الهمسة إلى صفير، والصفير إلى صوت كائن حي يتكلم. كلما حاولت مقاومتها اشتدت، كأنها ترد على عنادي بعناد. عندها تذكرت كلمات مدربي القديم
لا تصارع الريح… الريح ليست عدوك، الريح مرآتك
فهمت الدرس. خففت قبضتي، وتوقفت عن فرض السيطرة. تركت الطائرة تنساب مع الهواء، وشعرت كأنني أصبحت جزءًا من الريح نفسها. لم تستقر الطائرة لأن الريح ضعفت، بل لأنني أنا خففت. كان حوارًا صامتًا بيني وبين السماء: أنا هنا لأصغي، لا لأتحدى
خاطرة مسائية
في تأمل المساء، أدرك أن الريح لم تكن امتحان قوة، بل امتحان وعي. لم تأتِ لتسقطني، بل لتسألني: هل أنت مستعد للتحليق حقًا؟ فالريح لا تطيح بنا إلا حين نقاومها بلا فهم. أما حين نصغي، تتحول من خصم إلى معلم
سمعت من طيارين قدامى حديثًا عن «أراضي الأرواح» فوق الغيوم—أماكن تتجمع فيها الرياح ككائنات حية، لا يسمع لغتها إلا من أحب السماء بصدق. في فجرٍ أزرق، أقلعت مرة أخرى، أبحث عن تلك الأراضي المجهولة. كلما ارتفعت خفَّ صوت المحرك، وبدأت أسمع همسات لا بالأذن بل بالقلب—كأنها أغانٍ قديمة من زمن بعيد
وعند طبقة سابعة من الغيوم، شعرت أنني فقدت كل شيء—لا نور ولا ظلام، فقط بحر من الرياح الحية. هناك بدا لي كأن الأرواح تظهر، شفافة، عيونها كنجوم، وشفاهها من ضباب. همست إحداها: لماذا جئت؟
أدركت أن السؤال ليس موجّهًا لطيار، بل لإنسان. لماذا نطير؟ لماذا نسعى؟ هل نبحث عن انتصار أم عن فهم؟
الريح تعلّمنا أن القوة ليست في القبضة المشدودة، بل في اليد المرنة. وأن السماء لا تختبر مهارتنا بقدر ما تختبر تواضعنا. من يحاول أن يعلو على الطبيعة يسقط، ومن يتناغم معها يرتفع
وهكذا فهمت أن درس الريح ليس في الطيران وحده، بل في الحياة كلها. حين تهبّ الظروف بقوة، اسأل نفسك: هل تقاومها خوفًا، أم تنصت إليها فهمًا؟ فالريح لا تريد أن تكسر أجنحتنا… بل أن ترى إن كنا نعرف كيف نستخدمها لنرتفع