مرآةٌ في السماء

استوحيتُ فكرة هذا المقال من صديقٍ أهداني سؤالًا ظاهره عن كوكبٍ يشبه الأرض، وباطنه عن الإنسان الذي يسكنها. فبعض الأفكار لا تمنحنا جوابًا، بل تضع أمام وعينا مرآةً لا نستطيع الهرب من صورتنا فيها

حين يسمع الإنسان عن كوكبٍ آخر تتوافر فيه المياه والهواء والجبال، يسارع إلى السؤال عن إمكان الحياة فوقه. غير أن السؤال الأشد عمقًا ليس: هل توجد هناك حياة؟ بل: هل بلغت الحياة فينا معناها؟ فالنبض وحده لا يصنع إنسانًا، والعقل الذي يبتكر الآلات لا يصبح حكيمًا ما لم يتعلم كيف يصون الكرامة ويكبح شهوة القوة

إن الإنسان، كلما تخيل عالمًا جديدًا، حمل إليه ذاكرته المثقلة بالحروب والحدود والطوائف والسجون. كأنه يستطيع مغادرة الأرض بجسده، لكنه لا يستطيع مغادرة تاريخه بعقله. يغير أسماء الأمكنة، ثم يعيد بناء الظلم ذاته؛ يرفع رايات جديدة، بينما تبقى النزعة القديمة إلى السيطرة كامنةً خلف الكلمات

لقد شيدنا مدنًا تلامس السحاب، لكن ارتفاع البناء لم يرفع بالضرورة قيمة الإنسان. وامتلكت أممٌ أدوات العلم والقوة، غير أن العلم حين ينفصل عن الضمير يتحول إلى قوة عمياء، والقوة حين لا يضبطها العدل تصبح صورةً أخرى من التوحش. فالحضارة ليست ما يستطيع الإنسان صنعه، بل ما يرفض أن يفعله حين يكون قادرًا عليه

نحن نقيس المسافات بين النجوم، ولا نحسن قياس المسافة بين أقوالنا وأفعالنا. نتحدث عن الرحمة ونصمت أمام الألم، ونمجد الحرية ثم نخشى المختلف، ونرفع شأن الإنسان ما دام يشبهنا، فإذا خالفنا الرأي أو المعتقد ضاقت به إنسانيتنا

قد نكتشف يومًا كوكبًا يماثل الأرض في مناخه وبحاره، لكن الخوف أن نحمل إليه أمراضنا قبل أن نحمل إليه معرفتنا. عندها لن يكون الفضاء قد اتسع للإنسان، بل يكون خراب الإنسان قد اتسع في الفضاء

والموعظة أن العالم لا يتغير بمجرد اكتشاف أرضٍ جديدة، بل بولادة إنسانٍ جديد في داخل كل واحد منا؛ إنسان يدرك أن أعظم انتصار ليس بلوغ الكواكب، بل الانتصار على الجشع والتعصب والغرور. فمن لم يُصلح ضميره، سيحوّل كل أرضٍ يبلغها إلى نسخة من أخط

وشكرًا للصديق الذي وهبني شرارة هذه الفكرة؛ عسى أن تحمل هذه الكلمات بعض الفائدة، وأن تذكّرنا بأن السماء لا تسألنا إلى أي مدى وصلنا، بل أيَّ بشرٍ أصبحنا في الطريق

Previous
Previous

حين أعاد مسجد أبو درويش إليَّ جناح الذاكرة

Next
Next

My First Flight with Alia… When the Dream Left the Classroom