الذاكرة فوق السحاب

خاطرة صباحية

في سنوات التقاعد، حين تعود بي الذاكرة فوق السحاب، أدرك أن الطيران لم يغيّر مكاني في الفضاء فحسب، بل غيّر علاقتي بالزمن ذاته. ما إن أرتفع عن الأرض حتى أشعر بأن الزمن المعتاد يخفف قبضته. لم أعد خاضعًا لساعات الأرض، بل لزمنٍ آخر يمكنني أن أسميه «زمن السماء» — إيقاع تصوغه الآفاق المفتوحة، ونبض المحركات المنتظم، والصعود الهادئ في طبقات الارتفاع

كانت لكل طبقة من الهواء شخصيتها وإيقاعها الخاص. الصعود، التحليق، الهبوط — لم تكن مجرد مراحل تشغيلية، بل انتقالات بين حالات مختلفة من الوعي. هناك، بدا الزمن أقل تجزئة وأقل ميكانيكية. كان يتمدد مع الصمت، وينكمش مع التركيز. في تلك الساعات، لم أكن أعبر الزمن فحسب، بل كنت أسكنه وأعيشه

خاطرة مسائية

ومع تعمق المساء، أفهم بصورة أعمق معنى تلك اللحظات في الجو. كان الطيران، في كثير من الأحيان، تحررًا من الزمن المؤطر والمقاس. صحيح أن الجداول كانت تحكم الإقلاع، لكن شيئًا أعمق كان يحكم التجربة. في عزلة الارتفاع، كنت ألامس ما وصفه الفيلسوف هنري برغسون بـ الزمن المعيش — الزمن الذي يُحسّ في الداخل، لا الذي يُقاس في الخارج

فوق الأرض، لم يعد الزمن سلسلة دقائق متتابعة، بل استمرارية وعي. كان يتدفق مع الفكر، مع المسؤولية، مع الحضور الكامل. ساعة واحدة قد تحمل وعيًا يكافئ عمرًا كاملًا، ورحلة طويلة قد تمر كأنها لحظة معلّقة

واليوم، وأنا مستقر على الأرض بعد سنوات التحليق، أرى أن أعظم ما منحني إياه الطيران لم يكن السرعة ولا المسافة ولا حتى إتقان الطائرة. بل كان اكتشاف أن الزمن ليس شيئًا نعدّه فحسب، بل شيئًا نعيشه. وأحيانًا، لا نتعلم كيف نسكن الزمن حقًا إلا عندما نرتفع قليلًا فوق ضجيج الأرض

 

Previous
Previous

بين الحلم والواجب

Next
Next

مفهوم متغيّر لـ اللحظة