من علُوّ المسافة إلى عمق الحقيقة
خاطرة صباحية مختصرة
قضيت عمرًا أرى الأرض من الأعلى، حيث تتبدل الحدود وتتحرك الدول كما تتحرك الغيوم. لكن هناك بقعة واحدة لم تتغير في معناها، مهما تغيّر المشهد من حولها. فلسطين لم تكن مشهدًا عابرًا في الأفق، بل سؤالًا ثابتًا عن العدالة، ظلّ معلقًا في الهواء، بلا جواب
خاطرة مسائية موسّعة
بعض القضايا لا تشيخ، ليس لأنها حية، بل لأنها لم تُنصف. فلسطين واحدة من هذه القضايا التي حُكم عليها بالبقاء في منطقة التعليق: لا حلّ يُنجز، ولا ظلم يُعترف به اعترافًا كاملًا. إنها مثال حيّ على عالم أتقن فن الإرجاء، حتى صار التأجيل سياسة، والصبر مطلبًا أخلاقيًا يُفرض على الضحية وحدها
على مدى عقود، قيل إن الزمن يعمل لصالح الحق. لكن الزمن، حين لا تُرافقه إرادة، يتحول إلى شاهد صامت. الكلمات تكررت، المبادرات تبدلت أسماؤها، والنتيجة واحدة: قضية تتحول تدريجيًا من مأساة إنسانية إلى ملف إداري، ومن جرح مفتوح إلى بند دائم في خطابات رسمية لا تغيّر الواقع
العالم لا يعجز عن الفعل، بل يختار ألا يفعل. فالعجز الحقيقي ليس في غياب الأدلة، بل في غياب الشجاعة. تُكتب التقارير، تُحصى الانتهاكات، ثم تُحفظ الذاكرة في الأرشيف، كأن التوثيق غاية بحد ذاته، لا وسيلة للعدالة. وهكذا، يُدار الصراع بدل أن يُحل، ويُضبط الألم بدل أن يُرفع
في هذا المشهد، تصبح العدالة انتقائية، والأخلاق خاضعة لموازين القوة. يُسمح للغة أن تدين، لكن يُمنع القرار أن يُلزم. ويُطلب من الفلسطيني أن ينتظر، لا لأن الحل قريب، بل لأن الانتظار أقل كلفة على النظام العالمي من الإنصاف
فلسطين لا تعاني فقط من الاحتلال، بل من تحويل معاناتها إلى مشهد متكرر، يُعرض أمام العالم حتى يفقد قدرته على الصدمة. حين يتكرر الألم دون نتيجة، يُطلب من الضحية أن تعتاد، ومن المتفرج أن يواصل حياته
لكن القضايا العادلة لا تُحل بالاعتياد، ولا تُنقذها الخطب. ما تحتاجه فلسطين ليس مزيدًا من الكلمات، بل كسر هذا التواطؤ الصامت الذي يجعل الظلم ممكنًا، ومستمرًا، ومبرَّرًا بلغة القانون
ربما لم أعد أرى الأرض من السماء، لكنني أراها الآن من زاوية أوضح
العدالة لا تسقط لأن الزمن طال،
بل تسقط حين يقبل العالم أن يصفّق بدل أن يغيّر
وفلسطين، رغم كل شيء، لا تزال تنتظر
لا لأن الأمل ضعيف،
بل لأن العالم لم يقرر بعد أن يكون عادلًا