جرش في عامه الأربعين: مهرجان أم ذاكرة وطنية؟
أمضيت أكثر من أربعين عامًا في الطيران، وتعلمت أن قيمة الرحلة لا تُقاس بعدد الساعات بين الإقلاع والهبوط، بل بما تتركه في ذاكرة من عاشها. فقد تستغرق رحلة ساعات قليلة وتبقى تفاصيلها في النفس عقودًا، وقد تطول رحلة أخرى ثم لا تترك وراءها سوى رقم في سجل الطيران. ومن هنا يأتي السؤال مع وصول مهرجان جرش للثقافة والفنون إلى دورته الأربعين: هل أصبح المهرجان جزءًا حقيقيًا من الذاكرة الوطنية الأردنية، أم ما تزال صورته مرتبطة بالحفلات الغنائية الكبرى؟
تُفتتح الدورة الأربعون رسميًا في الثاني والعشرين من تموز 2026، وتفتح أبوابها للجمهور في اليوم التالي، ضمن برنامج يضم مئة وسبع عشرة فعالية داخل مدينة جرش، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء الأردنية. والأرقام مهمة، لكنها في الثقافة، كما في الطيران، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الرحلة. فقد تكون الطائرة ممتلئة، والموعد منضبطًا، والسماء صافية، لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل وصلت الرحلة إلى غايتها؟
على مدى أربعة عقود، أصبح المسرح الجنوبي الصورة الأكثر حضورًا حين يُذكر مهرجان جرش: المدرجات الحجرية، الأضواء، النجوم، الجمهور، والأغنيات التي تتردد بين الأعمدة. ولا عيب في أن يكون الغناء بوابة إلى الفرح، فالموسيقى من أقدم لغات الذاكرة الإنسانية. لكن المهرجان لا يتحول إلى ذاكرة وطنية لمجرد أن الناس حفظوا أسماء من غنوا على مسارحه. الذاكرة تُبنى أيضًا بالشاعر الذي عبّر عن قلق مجتمعه، والمسرحي الذي طرح الأسئلة، والكاتب الذي أعاد قراءة الواقع، والفنان الأردني الذي وجد مساحة لإثبات حضوره، والحرفي الذي حافظ بيديه على أثر من تراث الأجداد
في الطيران، يرى المسافر قائد الطائرة وطاقم الضيافة، لكنه لا يرى عشرات الأشخاص الذين صنعوا الرحلة خلف المشهد: المهندسين والفنيين والمراقبين والعاملين على الأرض. وكذلك هو المهرجان. يرى الجمهور النجم تحت الضوء، لكنه قد لا يرى الشاعر في ندوة صغيرة، ولا الفنان التشكيلي في معرض بعيد، ولا المرأة التي تمضي ساعات في صنع قطعة تراثية، ولا الفرقة المحلية التي تتدرب طويلًا لتظهر دقائق قليلة
المشكلة ليست في شهرة المسرح الجنوبي، بل في أن يختصر المسرح صورة المهرجان كله. فالضوء حين يتركز في مكان واحد يجعل ما حوله يبدو أكثر عتمة. وإذا كان جرش مهرجانًا للثقافة والفنون، فلا ينبغي أن يبقى البرنامج الفكري والأدبي هامشًا يرافق الحفل الكبير، بل جزءًا أساسيًا من هويته. الغناء يمنحنا لحظة جميلة، أما الفكر فيدفعنا إلى مراجعة أنفسنا، والأدب يمنحنا فرصة للعيش خارج حدود تجربتنا، والمسرح يضع المجتمع أمام مرآته
أربعون عامًا ليست رقمًا عابرًا؛ إنها عمر تجربة كاملة. وبعد أربعين دورة يصبح من المشروع أن نسأل: كم كاتبًا أردنيًا قدمه المهرجان إلى الجمهور؟ كم موهبة شابة بدأت من إحدى ساحاته؟ كم حرفة ساهم في حمايتها من الزوال؟ وكم طفلًا عاد من جرش راغبًا في قراءة كتاب أو تعلم آلة موسيقية أو اكتشاف تاريخ المكان؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الإنجاز، بل تحميه من التحول إلى عادة. ففي الطيران لم نكن نفترض أن الرحلة ستكون آمنة لمجرد أن الرحلة السابقة نجحت. كنا نعيد الفحص، ونراجع الإجراءات، ونسأل دائمًا عما يمكن تحسينه. فالخبرة الحقيقية لا تعني تكرار ما فعلناه طوال أربعين عامًا، بل امتلاك الشجاعة لإعادة النظر فيه بعد كل رحلة
وجرش ليست مجرد خلفية حجرية للعروض. إنها مدينة تحمل طبقات من الزمن، وكل حجر فيها يذكرنا بأن الحضارات لا تبقى بقوتها وحدها، بل بما تتركه من معنى. ولهذا فإن إقامة مهرجان في مدينة أثرية تفرض مسؤولية أكبر: ألا نستخدم التاريخ كديكور، بل أن ندخل في حوار معه. فما قيمة أن نغني فوق حجارة عمرها آلاف السنين من دون أن نسأل ماذا سنترك نحن لمن يأتي بعدنا؟
الذاكرة الوطنية لا تُصنع بقرار رسمي ولا بمنشور دعائي، بل تتكون ببطء من التجارب التي يشعر المواطن أنها تمثله. وحين يجد الأردني في مهرجان جرش لغته وأغنيته وحرفته وحلمه وقلقه، يصبح المهرجان جزءًا من ذاكرته. أما حين يقتصر دوره على شراء تذكرة والتصفيق لنجم، فإنه يظل متفرجًا على احتفال لا شريكًا في صنعه
بعد أكثر من أربعين عامًا في قمرة القيادة، أدركت أن أهم لحظة في الرحلة ليست الإقلاع، مهما كان مهيبًا، بل الوصول بعد أداء المسؤولية كاملة. ومهرجان جرش لم يعد في مرحلة الإقلاع؛ لقد أصبح مؤسسة وطنية مطالبة بأن تحدد بوضوح وجهتها: هل غايتها زيادة عدد الحضور، أم صناعة جيل جديد من المبدعين؟ وهل تريد أن تكون موسمًا فنيًا ناجحًا فقط، أم مشروعًا للثقافة والهوية والذاكرة؟
عندما تنتهي الدورة الأربعون، ستُطفأ الأضواء، ويغادر الفنانون، وتخلو المدرجات، ويعود الحجر إلى صمته القديم. عندها لن يكون السؤال كم شخصًا حضر، بل ماذا بقي في الناس بعد الرحيل. فالمهرجان، مثل الرحلة، لا يُقاس فقط بما حدث أثناءه، بل بما حمله الناس معهم بعد الوصول