تأملات طيّار متقاعد في النوم والوعي
هناك لحظةٌ يعرفها كل من عاش طويلًا مع الليل… لحظةٌ لا تأتي بضجيج، ولا تسبقها مقدمات. تستيقظ فيها دون سبب، في ساعةٍ لا تنتمي لا لليل المكتمل ولا للفجر المرتقب. مجرد انقطاعٍ غامض في نومٍ كنت تظنه مستقرًا
أكتب هذا المقال اليوم، لا بصفتي قارئًا أو مراقبًا فحسب، بل بصفتي طيّارًا متقاعدًا قضى سنواتٍ طويلة يحلّق في العتمة. أكثر من نصف رحلاتي كانت ليلًا، وكان نومي، بحكم المهنة، موزعًا بين النهار والليل، بين الإقلاع والهبوط، وبين مناطق زمنية لا تعترف بانتظام الساعة. وربما لهذا السبب، لم أتعلم يومًا أن أنظر إلى النوم كقالبٍ ثابت… بل كتجربة متغيرة، تشبه الرحلة أكثر مما تشبه الروتين.
في حياتنا الحديثة، تعلمنا أن نفسر الاستيقاظ المفاجئ في الليل بوصفه خللًا. نسميه “أرقًا”، نقلق منه، ونحاول إصلاحه. لكن بعد سنواتٍ من العيش في نظامٍ لا يعترف بثبات النوم، بدأت أتساءل: هل المشكلة فعلًا في الاستيقاظ… أم في الطريقة التي تعلمنا أن نفهمه بها؟
النوم، كما يبدو، ليس مجرد حاجةٍ بيولوجية. هو أيضًا فكرة. فكرة عن “كيف يجب أن ننام”، و”كم يجب أن ننام”، ومتى. هذه الفكرة، مع الزمن، تحولت إلى معيارٍ صارم، يقاس به الإنسان كما تُقاس الآلات. ثماني ساعات متواصلة، بلا انقطاع… نموذجٌ يبدو منطقيًا، لكنه في كثير من الأحيان لا يشبه الواقع الإنساني بقدر ما يشبه جداول العمل
من تجربتي، ومن تأملٍ لاحق، أدركت أن الليل لم يكن يومًا كتلة واحدة. كان دائمًا مساحة مفتوحة، فيها فواصل، وفيها لحظات صمتٍ غير متوقعة. خلال رحلاتي، كنت أرى مدنًا نائمة من الأعلى، وأدرك أن هناك دائمًا من هو مستيقظ في الأسفل… يفكر، يكتب، يقلق، أو فقط ينظر إلى سقف غرفته كما كنت أفعل أحيانًا
في تلك اللحظات، حين يستيقظ الإنسان دون سبب، لا يكون دائمًا ضحية اضطراب. أحيانًا، يكون فقط قد دخل في مساحةٍ نادرة من الوعي، مساحة لا يزاحمه فيها شيء
لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يحب هذه المساحات. هو عالمٌ منظم، محسوب، لا يترك مجالًا للفجوات. النوم فيه وظيفة يجب أن تكون فعّالة، متواصلة، قابلة للقياس. وكل ما يخرج عن هذا النموذج، يُعاد تصنيفه بسرعة: خلل، مشكلة، حالة تحتاج إلى علاج
وهكذا، لم يتغير شكل النوم فقط… بل تغيّر إحساسنا به. لم نعد نثق بإيقاعنا الداخلي، بل صرنا نقيس أنفسنا على نموذجٍ واحد، حتى لو لم يناسبنا
ما أحاول قوله هنا ليس دعوة لرفض العلم، ولا لتجاهل أهمية النوم المنتظم. بل دعوة أبسط: أن نُعيد النظر في علاقتنا مع تلك اللحظات التي نستيقظ فيها دون تفسير
حين تستيقظ في منتصف الليل، لا تتعجل الحكم على نفسك. لا تفترض فورًا أن هناك خطأ يجب إصلاحه. جرّب أن تتعامل مع تلك اللحظة كما هي… كجزء من تجربتك، لا كخروجٍ عنها
ربما لن تكتب قصيدة، ولن تكتشف فكرة عظيمة. وربما فقط ستجلس في صمت. لكن حتى هذا الصمت، في عالمٍ لا يتوقف عن الكلام، له قيمة
أكتب هذا اليوم لأنني، بعد سنواتٍ من الطيران في الليل والنوم في النهار، أدركت أن الإنسان ليس آلة تُضبط على توقيتٍ واحد. نحن كائنات تتغير، تتأقلم، وتبحث دائمًا عن توازنها الخاص
وربما، في تلك اللحظات الصغيرة التي نستيقظ فيها بلا سبب… نكون أقرب ما نكون إلى أنفسنا
الحكمة: ليس كل استيقاظٍ في الليل علامة خلل… أحيانًا، هو مجرد تذكيرٍ هادئ بأن في داخلك إيقاعًا لا يزال حيًا، حتى لو حاول العالم أن يضبطه