الإعلام الأردني بين المهنية وضغط السوشيال ميديا: من يقود الرأي العام؟
في عصر تتسارع فيه تدفقات المعلومات، لم يعد الإعلام مجرد ناقلٍ للأحداث، بل أصبح ساحةً للتأثير وصياغة الوعي العام. وفي الأردن، يقف الإعلام التقليدي اليوم عند مفترق طرق؛ بين التمسك بقيم المهنية والموضوعية، وبين الضغوط المتزايدة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أعادت تعريف مفهوم الخبر من حيث مصدره وسرعة انتشاره
لقد شكّل الإعلام التقليدي، لعقود طويلة، المصدر الأساسي لتكوين الرأي العام، مستندًا إلى معايير التحرير والتدقيق والمصداقية. إلا أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي غيّر هذه المعادلة، حيث أصبح كل فرد قادرًا على إنتاج المحتوى ونشره دون المرور عبر مؤسسات إعلامية محترفة. ورغم ما يتيحه ذلك من مساحة أوسع للتعبير، فإنه أوجد حالة من الفوضى المعلوماتية، وفتح المجال أمام انتشار الأخبار غير الدقيقة أو المضللة
في السياق الأردني، يواجه الإعلام تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة، تبرز ضرورة الحفاظ على المهنية والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، ومن جهة أخرى، هناك ضغط مستمر لمواكبة سرعة المنصات الرقمية وجذب جمهور يميل إلى الخبر السريع والمباشر، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة. هذا التوتر بين السرعة والمصداقية يضع المؤسسات الإعلامية أمام اختبار حقيقي
ولا يمكن إغفال دور الخوارزميات في تشكيل الرأي العام، إذ لم يعد الانتشار مرتبطًا بجودة المحتوى فحسب، بل بمدى قدرته على إثارة التفاعل. فالمحتوى العاطفي أو المثير غالبًا ما يحظى بانتشار أوسع، مما يدفع بعض المنصات، بل وحتى بعض الوسائل الإعلامية، إلى تبني خطاب أكثر جذبًا، قد يبتعد عن العمق والتحليل
من جهة أخرى، لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في صناعة الرأي العام. فالتعليقات، والمشاركات، وحملات الوسوم (الهاشتاغ)، باتت تؤثر في اتجاهات النقاش العام، وقد تمتد آثارها إلى دوائر صنع القرار. ومع ذلك، يثير هذا الدور تساؤلات حول مستوى الوعي النقدي لدى الجمهور، وقدرته على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتضليل
ومن منظور فلسفي، يمكن القول إننا أمام تحوّل في مفهوم "السلطة الإعلامية"، من سلطة مركزية تحتكر إنتاج الخبر، إلى سلطة موزعة تتشكل من خلال التفاعل الجماهيري. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تحررًا كاملاً، بل قد يؤدي إلى أنماط جديدة من التأثير، تمارسها الخوارزميات أو النزعات الشعبوية التي تعيد تشكيل الوعي بطرق غير مباشرة
ختامًا، يبقى السؤال قائمًا: من يقود الرأي العام في الأردن اليوم؟ هل هو الإعلام المهني الذي يسعى إلى الدقة والموضوعية، أم وسائل التواصل الاجتماعي التي تتحكم في سرعة الانتشار واتجاه التفاعل؟ لعل الإجابة تكمن في تحقيق توازن واعٍ بين الطرفين، بحيث يُعاد بناء العلاقة بينهما على أسس من المسؤولية والشفافية، بما يسهم في تشكيل رأي عام أكثر نضجًا ووعيًا