عمّان كما نعيشها… لا كما تُوصَف في التقارير

عندما يُعلَن أن عمّان انضمّت إلى منصة عالمية لجودة الحياة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتجمعات السكانية، قد يبدو الخبر في ظاهره مطمئنًا ويحمل دلالة إيجابية. غير أن من يعيش تفاصيل المدينة يوميًا قد يتوقف طويلًا أمام هذا الإعلان، لا اعتراضًا على فكرة التطوير أو التقييم الدولي، بل استغرابًا من الفجوة بين ما تعكسه التقارير الرسمية وما يختبره السكان في واقعهم اليومي

عمّان مدينة متعبة. تعبها ليس دراميًا ولا صاخبًا، بل هادئ ومتراكم. يبدأ من الضغط الاقتصادي الذي يرافق العائلات في كل قرار يومي، من حسابات المصاريف التي تسبق الراتب، ومن القلق الذي يجعل المستقبل مؤجلًا باستمرار. الحياة في العاصمة أصبحت سباقًا دائمًا للحفاظ على التوازن، لا بحثًا عن رفاهية، بل عن استقرار بسيط يطمئن القلب

ثم يأتي الازدحام، ذلك الرفيق الثقيل لكل صباح ومساء. الطرق تختنق، والسائقون يزداد توترهم، والزمن يُستنزف بصمت داخل المركبات. ساعات طويلة تضيع بين إشارات المرور، ودوارات مكتظة، ومخارج غير منظمة. النقل العام ما يزال محدود الفاعلية، فلا يغني عن المركبة الخاصة، فتزداد السيارات، ويكبر الاختناق، وتدور الحلقة بلا حل جذري واضح

أما الشوارع نفسها، فحكايتها مختلفة. حفريات متكررة، تعبيد يتبعه فتح جديد للطريق، تشققات تظهر سريعًا بعد كل موسم مطري. يشعر المواطن أحيانًا أن الصيانة مؤقتة، وأن التخطيط غائب أو غير منسق. يتفاوت مستوى الخدمات بين حي وآخر بشكل ملحوظ، فتبدو بعض المناطق أفضل حالًا من غيرها، بينما تعاني أخرى من إهمال واضح في البنية التحتية

الأرصفة في كثير من المواقع ليست صديقة للمشاة. ضيقة، متقطعة، أو محتلة بالمركبات. كبار السن وذوو الإعاقة يواجهون صعوبات حقيقية في التنقل. المدينة تبدو وكأنها صُممت للسيارات أكثر مما صُممت للناس. وعندما يصبح المشي تحديًا يوميًا، تتراجع جودة الحياة مهما تحسّنت المؤشرات النظرية

ولا يمكن تجاهل أزمة مواقف السيارات التي تحوّل أي زيارة سريعة إلى مهمة شاقة. البحث الطويل عن موقف، الاصطفاف العشوائي، الخلافات اليومية بين السائقين، كلها تفاصيل صغيرة لكنها تخلق ضغطًا متراكمًا يعكر صفو الحياة في المدينة

أما ملف النظافة، فرغم الجهود البلدية في جمع النفايات، فإن المشهد في بعض الشوارع لا يعكس مدينة تُصنّف ضمن منصات جودة الحياة. حاويات النفايات في عدد من المناطق ممتلئة أو مكشوفة، تحيط بها أكياس مرمية خارجها، وروائح تنتشر في الأحياء السكنية. بعض الحاويات متهالكة، وأخرى موضوعة بطريقة تعيق الحركة أو تشوّه المشهد العام. إضافة إلى ذلك، سلوك بعض الأفراد في رمي المخلفات عشوائيًا يزيد المشكلة تعقيدًا. النظافة ليست مجرد خدمة بل ثقافة، لكن الثقافة تحتاج إلى تنظيم ورقابة وتوعية مستمرة

المياه والصرف الصحي يمثلان تحديًا آخر. في بعض المناطق ينخفض ضغط المياه، ويضطر السكان إلى البحث عن حلول إضافية. ومع كل موسم شتاء، تتجدد مشاهد تجمع مياه الأمطار في الشوارع، ما يعكس الحاجة إلى تطوير شبكات التصريف. هذه التفاصيل قد لا تظهر في التقارير الدولية، لكنها تؤثر مباشرة في شعور الناس بالاستقرار

المساحات الخضراء محدودة مقارنة بكثافة البناء. بعض الأحياء تفتقر إلى حدائق قريبة، والأطفال يفتقدون أماكن آمنة ومهيأة للعب. المدينة التي لا توفر متنفسًا طبيعيًا لسكانها تتركهم أسرى الإسمنت والازدحام، وتقلّص فرص الراحة النفسية

في الصحة والتعليم، الخدمات موجودة لكنها تعاني من ضغط واضح. اكتظاظ في بعض المدارس الحكومية، وفترات انتظار طويلة في المرافق الصحية العامة، تدفع كثيرين إلى اللجوء للقطاع الخاص، ما يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا. الفجوة بين أحياء المدينة في مستوى الخدمات تعمق الشعور بعدم المساواة

كل هذه التفاصيل لا تعني أن عمّان مدينة بلا مزايا، لكنها تعني أن الطريق نحو جودة حياة حقيقية ما يزال طويلًا. ولهذا يبرز السؤال المشروع: كيف يمكن لمدينة تعاني من كل هذه التحديات اليومية أن تُقدَّم في تقرير دولي بوصفها ضمن منصة جودة الحياة؟ هل تعتمد هذه التقارير على مؤشرات رقمية لا تلتقط نبض الشارع؟ هل تقيس الخطط أكثر مما تقيس النتائج؟

الاستغراب لا يعني الرفض، بل دعوة لإعادة النظر. لأن جودة الحياة لا تُختصر في تصنيف، ولا تُختبر في قاعة مؤتمر، بل تُقاس بإحساس المواطن حين يغادر منزله صباحًا ويعود إليه مساءً. وإذا بقي هذا الإحساس مثقلًا بالتعب والقلق، فإن أي تقرير — مهما كان مصدره — سيظل بعيدًا عن حقيقة المدينة كما يعيشها أهلها

Previous
Previous

تمخّض الجبل فولد فأرًا

Next
Next

الضمان الاجتماعي، رؤية مواطن قلق… لا خبير في إدارة المخاطر المالية