حين يتكلم العقل في زمن الضجيج
حين يتكلم العقل في زمن الضجيج
خاطرة صباحية مختصرة
في عالمٍ اعتاد أن يرفع صوته بدل أن يُعمل فكره، يندر أن نصغي إلى خطاب لا يطلب التصفيق، بل يوقظ السؤال. ما قاله الملك عبد الله الثاني لم يكن احتفالًا بالكلمات، بل تذكيرًا هادئًا بأن السياسة، في أصلها، فعل أخلاقي قبل أن تكون صراع مصالح، وأن العقل حين يتكلم بهدوء، يكون أبلغ من كل ضجيج.
خاطرة مسائية موسّعة
الضجيج سمة هذا العصر؛ ضجيج المواقف، وضجيج الشعارات، وضجيج السرعة التي لا تترك للعقل متسعًا للتأمل. في هذا السياق، تمرّ خطابات القادة عادةً كأصداء متشابهة، تُقال لا لتُفهم، وتُسمع لا لتُفكَّر. لكن أحيانًا، نادرة هي تلك اللحظات، يتكلم الخطاب لا بوصفه حدثًا سياسيًا، بل كفعلٍ فلسفي يعيد طرح السؤال الأول: ما الغاية؟
لم يكن الخطاب محاولة لإقناع العالم بالقوة، بل دعوة صامتة لإقناعه بالعقل. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: حين تفقد السياسة بعدها الإنساني، تتحول إلى إدارة باردة للأزمات، وحين تستعيد هذا البعد، تصبح أداة لحماية المعنى ذاته. العدالة، في هذا السياق، ليست شعارًا يُرفع، بل شرط وجود؛ ميزانًا إن اختلّ، اختلت معه فكرة العالم العادل.
عندما ذُكر الإنسان -لاجئًا كان أم ضحية حرب أم كائنًا يختنق في كوكبٍ مُتعب - لم يُذكر كرقم في تقرير، بل كغاية بحد ذاته. وهنا، يقترب الخطاب من الفلسفة الكانطية دون أن يُسمّيها: الإنسان ليس وسيلة، بل قيمة قائمة بذاتها. السياسة التي تنسى هذه الحقيقة، تفقد شرعيتها الأخلاقية مهما امتلكت من قوة.
في هذا المشهد، بدا الأردن - رغم محدودية الجغرافيا - كفكرة أكثر منه دولة: فكرة الاعتدال بوصفه شجاعة، لا مساومة؛ وفكرة التوازن باعتباره حكمة، لا حيادًا فارغًا. فبين تطرفين يتنازعان العالم، يصبح الوقوف في المنتصف فعلًا أخلاقيًا شاقًا، لا موقفًا سهلًا.
قوة الخطاب لم تكن في ما قاله فقط، بل في ما لم يقله. في المساحة التي تركها للتفكير، وفي الأسئلة التي لم يُجب عنها، لأنه أدرك أن الوعي لا يُفرض، بل يُوقظ. لم يُلقِ وصايا، بل فتح نافذة، وكأن السياسة هنا استعادت دورها القديم: أن تكون فنّ إدارة الاختلاف دون إلغاء الإنسان.
في زمنٍ تآكلت فيه المعاني من كثرة الاستهلاك، جاءت هذه اللحظة كتذكير نادر بأن الصمت أحيانًا أصدق من الخطابة، وأن العقل حين يتكلم بهدوء، لا يحتاج إلى صراخ ليُسمَع.
ليست كل الكلمات جديرة بالتصفيق،
بعضها جدير فقط بالتفكير.
ولعل هذا، في عالمٍ منهك، هو أعلى مراتب الحكمة.