سنواتي مع طيران الخليج
خاطرة صباحية
تبدأ بعض الفصول في حياة الإنسان بصمتٍ يكاد لا يُلاحظ، لكنها تحمل في أعماقها تحوّلًا هادئًا يعيد رسم مسار الحياة
حين بدأت رحلتي المهنية في البحرين مع طيران الخليج، لم أكن أدرك أنني أدخل تجربة إنسانية كاملة قبل أن أدخل وظيفة جديدة
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أستعيد تلك السنوات التي قضيتها في البحرين، أدرك أن تلك المرحلة لم تكن مجرد محطة مهنية عابرة، بل كانت فصلًا من فصول التكوين الإنساني قبل أن تكون تطورًا في المسيرة المهنية. كان العمل مع طيران الخليج أكثر من وظيفة؛ كان تجربة وجودية جعلتني أرى الطيران من زاوية مختلفة، حيث يتحول العمل اليومي إلى مدرسة تعلم الإنسان كيف يوازن بين المسؤولية والطموح، وبين الانضباط والحرية
لم تكن العلاقة بين أفراد الطاقم علاقة رسمية تحكمها جداول العمل فقط، بل كانت علاقة تقوم على روح الزمالة والثقة العميقة. كان كل واحد منا يدرك أن الطيران ليس مجرد قيادة طائرة في السماء، بل مسؤولية مشتركة تُبنى على التعاون والاحترام المتبادل. ومع مرور الوقت أصبحت الطائرة نفسها مساحة تجمع الطيارين والمضيفين، لا كأفراد يؤدون مهمة محددة، بل كفريق يحمل خبراته وأحلامه وتركيزه المشترك في لحظة واحدة بين الأرض والسماء
كل رحلة كانت لقاءً جديدًا مع العالم، وكل مدينة نافذة تطل على ثقافة مختلفة، وكل مطار بداية قصة أخرى. بدأت أفهم أن الطيران لا يختصر المسافات بين الدول فقط، بل يفتح للإنسان طريقًا أوسع لفهم الحياة وتنوعها الإنساني
أما البحرين نفسها، فقد كانت تحمل إيقاعًا مختلفًا للحياة. في منطقة البسيتين وجدت مساحة من السكينة بعد الرحلات الطويلة. كانت الحياة هناك بسيطة وهادئة، لكنها مليئة بالدفء الإنساني. ومع مرور الوقت شعرت أن البحرين لم تكن مجرد مكان للعمل، بل أصبحت بيتًا آخر يمنحني إحساسًا بالانتماء والراحة
وعندما أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات، أجدها من أغنى مراحل حياتي. لم تكن مجرد فترة عمل، بل كانت رحلة نضج وتجربة إنسانية عميقة. هناك صقلت خبرتي المهنية، لكنني في الوقت نفسه اكتشفت جوانب جديدة من نفسي ومن العالم
ولهذا، كلما تذكرت تلك المرحلة، أدرك أن بعض الأماكن لا تمر في حياتنا مرورًا عابرًا
بل تبقى في داخلنا كمدارس خفية للحياة،
تترك أثرها في الروح،
كما تترك الطائرة أثر جناحيها في السماء