حين يصبح الحلم عبئًا من نور

خاطرة صباحية

في منتصف السبعينيات، كنت فتى نحيلًا يحمل حقيبة صغيرة وقلبًا أثقل من الجبال. وصلت إلى أرضٍ لا تشبه قريتي، ولا حتى تشبه صورتها في خيالي. كنت أبحث عن فرصة… أو ربما أهرب من صوت الأذان الذي كان يتردد من مئذنة القرية كأنه يناديني للعودة

لم تكن الليالي وردية كما وعدت كتب الهجرة، ولا كما غنّى الذين سبقوني. كانت داكنة كثيفة، كدخان الطائرات قبل الإقلاع. كنت أبكي أحيانًا في المطبخ بصمت—لا من الجوع، بل من الذاكرة. كان الحنين يتسلل من تحت الباب، في رائحة الخبز إذا احترق، في صوت الماء وهو يغلي. اشتقت لأمي—لندائها لاسمي كاملًا، للدفء في يديها، حتى لطريقتها في سكب الشاي. كانت أمي وطني، وكل ما عداها غرفة انتظار

ظننت أن الطيران سيحررني، لكنه علمني أن الحرية لا تُقاس بالارتفاع، بل بالمعنى. أن أعمق السجون هي تلك التي نبنيها ونحن نحقق أحلامنا

خاطرة مسائية

أربعون عامًا حلّقت بين سماوات متعددة—من كاليفورنيا إلى الهند، من غيوم باريس إلى ليالي طوكيو. رأيت مدنًا تتلألأ من فوق، وقلوبًا تنطفئ في الأسفل. كل مدينة لها رائحتها، وكل سحابة مررت بها كانت تهمس بلغتي الأم: «عُد… ولو للحظة… عُد إلى من كنت قبل أن تصبح من أنت»

كنت أنظر في مرآة شقتي الصغيرة وأسأل نفسي: «هل أعيش حلمي… أم ضعت في الطريق إليه؟» أدركت أن الحلم قد يتحول إلى عبءٍ من نور—يضيء دربك، لكنه يثقلك بمسؤوليته

ومع ذلك، كلما رأيت الطائرة تنهض من رحم المدرج كطائر أسطوري، شعرت أنني لم أضل الطريق. أن كل وجعٍ عشته كان حجرًا في درب الحقيقة. المعاناة لم تكن فشلًا، بل خريطة. من لم ينكسر، لن يفهم قيمة الضوء حين يعود

لم أكن بطلًا خارقًا، ولا راكب أمواج المجد كما في الحكايات. كنت رجلًا بسيطًا وقف يومًا على عتبة وطنه، وقلبه مضاء بشيء لا يُرى. التفت إلى أمه وقال بصوت يرتجف قليلًا: «سأعود… قريبًا.» لم أملك يقينًا كاملًا، لكنني حملت يقينًا آخر: أن الله لا يضع أمنية في القلب عبثًا، وأن الأحلام الثقيلة لا تأتي لتكسرنا، بل لتعيد تشكيلنا

الحياة لم تكن سهلة… لكنها لم تكذب عليّ. كانت صادقة—ولذلك، كانت جميلة بطريقتها الخاصة

 

Previous
Previous

السماء مرآة الروح

Next
Next

محطة الوقود — أحاديث قصيرة بحجم حياة