التغيير الذي لا يغيّر

خاطرة صباحية مختصرة

في السياسة، ليس كل تبديل دليل حركة، ولا كل حركة علامة تحوّل. حين تتغير الوجوه ويبقى المسار ثابتًا، يصبح التعديل أقرب إلى ترميم خارجي لجسد لم يُمسّ جوهره. ما نشهده ليس مفاجأة، بل استمرارية لنمط اعتاد أن يبدّل الأسماء، ويُبقي الأسئلة معلّقة

خاطرة مسائية موسّعة

هناك فرق جوهري بين التغيير بوصفه فعلًا، والتغيير بوصفه إشارة. الفعل يُحدث أثرًا، أما الإشارة فتكتفي بإيحاء الحركة دون أن تمسّ البنية. في التجربة السياسية الأردنية، بات التعديل الوزاري أقرب إلى الإشارة؛ حركة منتظمة توحي بالديناميكية، فيما تبقى الفلسفة الحاكمة للإدارة على حالها

تكرار التعديلات لا يعني بالضرورة مراجعة المسار، بل قد يكون وسيلة لتجنّبها. فحين تُعاد تدوير الأدوار داخل دائرة ضيقة، يتحول المنصب من وظيفة عامة إلى موقع قابل للتبادل، وتصبح الخبرة أقل أهمية من القابلية للعودة. هنا لا يُسأل: ماذا أُنجز؟ بل: من يمكنه شغل الموقع الآن؟

المشكلة ليست في الأشخاص بحد ذاتهم، بل في المنظومة التي تتعامل مع الدولة كشبكة توازنات، لا كمشروع عام. في غياب معايير معلنة للاختيار، وغياب تقييم شفاف للأداء، يفقد المنصب معناه الأخلاقي، ويغدو امتدادًا لترتيبات غير مرئية، لا لعقدٍ واضح بين السلطة والمجتمع

في الأنظمة التي تُدار بمنطق البرامج، لا يُختار الوزير لأنه متاح، بل لأنه جزء من رؤية، ومسؤول أمام مؤسسات رقابية ورأي عام حي. أما حين تغيب هذه البنية، يصبح التعديل إجراءً إداريًا لا سياسيًا، وتتحول الحكومة إلى جهاز تشغيل لا إلى عقلٍ مفكّر

السكون الحقيقي لا يعني غياب الحركة، بل غياب الاتجاه. وحين تتكرر الحركة دون اتجاه، تتآكل الثقة، ويترسّخ الشعور بأن ما يتغير هو الشكل، لا المعنى. فالدولة التي لا تربط الموقع بالمساءلة، تفقد تدريجيًا قدرتها على الإقناع، مهما حافظت على الاستقرار الشكلي

ما يحتاجه الأردن ليس وجوهًا جديدة فحسب، بل انتقالًا من إدارة التوازنات إلى إدارة الأهداف، ومن ثقافة التعيين إلى ثقافة التكليف، ومن منطق الاستمرار إلى منطق الجدوى. فالإصلاح لا يبدأ من تعديل، بل من سؤال: لماذا نغيّر؟ ولأي غاية؟

وحين يصبح الجواب واضحًا،
لا يعود التغيير طقسًا،
بل ضرورة

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

من علُوّ المسافة إلى عمق الحقيقة

Next
Next

جيل يبحث عن معنى