حين تتكلم السماء بلغة لا يفهمها إلا من امتحنه الخوف

خاطرة صباحية

يقولون إن الطيران بين الجبال يشبه كتابة قصيدة على ورقٍ مشتعل… كل حرف قد يكون الأخير. في ذلك الصباح، كنت أظن أنني أقود رحلة عادية مع ستة أصدقاء—بل ستة حالمين—لا يعلمون أن السماء لا تُصادق الجميع. استأجرنا طائرة صغيرة، وصرتُ أنا القبطان بحكم الرخصة، لا بحكم الحكمة

كان مطار «بيغ بير» ينتظرنا فوق كتف الجبل، كراهبٍ عجوز يتأمل العابرين بعينٍ تعرف أسرار الريح. وللوصول إليه، علينا المرور بممرٍ ضيق بين جبلين—حيث الهواء لا ينساب، بل يتحطم ثم يعود غاضبًا. دخلنا ذلك الممر كمن يدخل جوف وحشٍ نائم

فجأة، ضربتنا الاضطرابات بعنف. انقلبت الطائرة، ورأيت الأرض فوق رأسي والسماء تحت قدمي. تحولت ضحكات أصدقائي إلى صرخات… ثم إلى صمتٍ ثقيل، كأن الخوف سرق الكلمات من أفواههم. في تلك اللحظة، لم أكن أقاتل من أجل النجاة فقط، بل من أجل الكرامة التي تربط الطيار بطائرته كما يرتبط الشاعر بقلمه. لم يكن هناك وقت للتفكير؛ فقط لحظة واحدة تثق فيها بالسماء، وتتحالف مع الريح بدل أن تعاديها. مددت يديّ كما يرفع البحّار شراعه في وجه العاصفة، وأعدت الطائرة إلى توازنها، كمن يسترجع حلمًا كاد يسقط من حافة السرير

هبطنا… وهبطت قلوبنا معنا. كانت البحيرة هناك تنتظرنا كأمٍّ تضم أبناءها العائدين من معركة لم يكونوا مستعدين لها

خاطرة مسائية

مع غروب ذلك اليوم، فهمت أن بعض الرحلات لا تغيّر وجهتك فحسب، بل تغيّر داخلك إلى الأبد. ضحكنا بعد الحادثة، لكن ضحكتنا لم تعد كما كانت. في عيون كل واحدٍ منهم شيءٌ مكسور لا يُرى، لكنه يُحسّ. وحين عدنا في المساء عبر الرياح العاتية مرة أخرى، كان الهواء يصفّر كأرواحٍ تحذّرنا: «لا أحد يتحدى الجبال مرتين.» ومع ذلك، حلّقت بثباتٍ صامت، لأن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على السير رغم حضوره

منذ ذلك اليوم، قرر أصدقائي الستة ألا يركبوا طائرة صغيرة مرة أخرى. حمل كلٌّ منهم التجربة كوشمٍ خفي على روحه. أدركت حينها أن الصداقة لا تُختبر في الولائم والضحك، بل في اللحظة التي تنقلب فيها الحياة رأسًا على عقب

السماء تتكلم بلغة لا يفهمها إلا من امتحنه الخوف. هي لا تهدف إلى كسرنا، بل إلى كشفنا. تكشف لنا هشاشتنا وقوتنا في آنٍ واحد. تعلمنا أن النجاة ليست في الوصول، بل في العودة حيًّا، حاملين قلوبنا بين أيدينا دون أن نسقطها

التحليق الحقيقي ليس فوق الجبال فحسب، بل فوق لحظات الرعب التي تحاول أن تسحقك. من يهرب من السماء مرة، قد يهرب من حلمه مرات كثيرة

لا تخف من الطيران… ولا حتى من السقوط
اخف فقط أن تعيش عمرًا كاملًا دون أن تحاول أن تحلّق

Previous
Previous

الرحلة التي لم أخُضها

Next
Next

رقصة بين الجبال