حين أطلت النظر إلى صورة القوشة، خُيّل إليّ أن الخشب يستعيد غرفة قديمة، وأنني أستطيع، إذا أصغيت طويلًا، سماع يد أمي وهي تحرك المهد. كنت جالسًا في الحاضر، لكن شيئًا مني أخذ الطريق إلى صويلح، إلى بيت أعرف موضعه، وإلى مساء لم تحتفظ به ذاكرتي، وظلت والدتي تحفظه لي. لا تزال تتذكر أنني جئت إلى هذا العالم قبل أذان المغرب بقليل يوم الأربعاء، الخامس من أكتوبر عام 1955. هكذا بقيت بدايتي معلقة في كلامها بين الضوء الأخير وصوت سيعلو من المسجد القريب
لم يكن عندهم مؤشر للساعة غير الأذان. يعرفون الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء من الصوت الذي يصل إلى بيوتهم ويضع في امتداد النهار علامات يألفونها وكان الشيخ عمر دورك، في أيام ولادتي يصعد درج المئذنة ليؤذن، بلا كهرباء ولا مكبر صوت. أتخيله يرفع قدمًا بعد أخرى، فيما تتباعد الأرض تحته قليلًا، ثم يقف في الأعلى ويطلق صوته. لا أعرف كيف بدا ذلك المساء، لكنني أتخيل أمي وقد وضعتني إلى جانبها، تسمع الأذان وتعرف أن مغربًا جديدًا بدأ وأن حياتها صارت تحمل طفلًا آخر
كلما قالت لي إنني وُلدت قبل المغرب بقليل، شعرت بأن الوقت كان قريبًا من الناس يومها. يصل إليهم بصوت إنسان ويرتبط بما يفعلونه في بيوتهم وصلاتهم وأعمالهم. أما أنا وقد أمضيت سنوات طويلة أتعامل مع الدقائق والحسابات، فأجد في عبارتها دقة من نوع آخر. إنها تحفظ موضع وصولي في يومها وتعرفه من ذلك النداء الذي جاء بعد صرختي الأولى. أستطيع أن أكتب تاريخ ميلادي بالأرقام، لكنني حين أريد الاقتراب من بدايتي أعود إلى صوتها، وإلى المسافة القصيرة التي تفصل الولادة عن المغرب
كان بيتنا بجانب الجمعية الخيرية الشركسية، فرع صويلح، وعلى مسافة لا تزيد على مئتي متر من موقع مسجد الشركس الحالي. أعرف موضع البيت والمسجد وأشعر حين أستعيدهما بأن الطريق بينهما يحمل جانبًا من تاريخ عائلتي. وصل جدي، الشيخ الأمين، إلى صويلح عام 1917، في رحلة عودته من الأزهر الشريف وتولى إمامة المسجد الذي كان قائمًا عند وصوله. أتخيله يتعرف إلى القرية ووجوه أهلها، دون أن يعرف أن حفيدًا له سيولد قريبًا من هذا المكان وأن تلك المسافة الصغيرة ستبقى حاضرة في ذاكرته مهما ابتعد
لعل جدي رأى في صويلح أول الأمر محطة في طريقه، ثم نشأت فيها صلات جعلت الإقامة حياة كاملة. لا أعرف ما دار في نفسه، فأترك للخيال أن يراه يصغي ويسأل ويبحث عن موضع لما تعلمه. كانت القرية تجمع حكايات الشراكسة والشيشان، وصلاتهم بمحيط البلقاء وأهله، ثم اتسعت لوجوه جاءت تحمل تجارب أخرى. وفي هذا المكان بدأت حكايتي داخل علاقات سبقتني. نولد فنجد بيتًا وأسماء وطرقًا مألوفة، ثم نتعلم متأخرين أن وراء هذا المألوف رحلات واختيارات، وأن أشخاصًا عاشوا غربتهم كي نجد نحن مكانًا نسميه بيتنا، دخلت غرفة النوم في خيالي، فوجدتها مشغولة بأمي. خارجها انتظار وداخلها أم خليل، من عشيرة العساف، تساعد وتراقب وتطمئن. لم يكن هناك طبيب ولا عيادة طبيب نذهب إليها. كانت خبرتها حاضرة ساعة احتاجت إليها أمي وكانت المسؤولية بين يديها كبيرة. أتخيل أمي تنظر إلى وجهها حين يشتد الألم، وربما تتمسك بيدها. لا أستطيع استعادة تفاصيل لم أشهدها واعيًا، لكنني أفهم حاجة الإنسان، في لحظة خوفه، إلى شخص يبقى قريبًا، يعرف كيف يساعده ويمنحه من ثباته ما يعينه على الاحتمال
ثم أتخيل صرختي الأولى ترتفع في الغرفة، فتتحرك الوجوه نحوها. بالنسبة إليّ كانت بداية التنفس وبالنسبة إلى أمي كانت نهاية انتظار وبداية مسؤولية. أراها مرهقة، تتأمل وجهًا عرفته قريبًا منها طويلًا دون أن تراه. ربما قربت إصبعها من يدي وربما سكنت قليلًا وهي تنظر إليّ. أفكر في تلك المحبة التي استقبلتني قبل أن تعرف طبعي وقبل أن أستطيع منحها شيئًا. كان وجودي كافيًا، ثم قضيت أعوامًا طويلة أبحث عن قيمتي فيما أنجزه، حتى أعادتني الشيخوخة إلى قلب رأى لي قيمة قبل كل إنجاز
وفي الخارج، أرى الشيخ عمر دورك يصعد إلى المئذنة وقد اقترب المغرب. هذا مشهد أمنحه لنفسي بالخيال، مستندًا إلى ما بقي من حكاية ذلك الزمن. في غرفة يتعلم طفل التنفس وفي الأعلى يستعد رجل لرفع الأذان. يخرج صوتي إلى البيت ويخرج صوته إلى القرية وتحتفظ أمي بما وقع بينهما. أتساءل كم من الأحداث التي تبدو منفصلة يجمعها مساء واحد، ثم تأتي الذاكرة بعد سنوات فتصل بينها. لعلنا نحتاج إلى هذه الصلات كي نشعر بأن حياتنا وجدت موضعًا في العالم منذ اللحظة الأولى
وقالت لي جدتي إن أم خليل رفضت أخذ أي أجرة، لأنها كانت صديقتها وكانت أجرة الولادة يومها دينارًا أردنيًا واحدًا فقط. أتخيل جدتي تمد إليها المقابل وأم خليل تعيده بهدوء. لا أعرف الكلمات التي تبادلتاها، لكن الفعل الذي وصلني ظل واضحًا. امرأة بذلت وقتها ومعرفتها، ثم اختارت أن تمنحهما بمحبة. ربما مضت بعد ذلك إلى شؤونها ولم يخطر لها أن حفيد صديقتها سيحمل هذا الموقف معه أكثر من سبعين عامًا وأن دينارًا لم تأخذه سيبقى حاضرًا في حكايته عن الخير الذي استقبله
أفكر في ذلك الرفض فأرى الصداقة تدخل في صميم بدايتي. لم أكن أعرف شيئًا عن المال أو العمل أو الامتنان ومع ذلك وصل إليّ أثر اختيار صنعته امرأة من أجلي ومن أجل جدتي. بعض العطاء يسبق وعينا، ثم ينتظر حتى نكبر فنفهمه. ولهذا أشعر أن معرفة الإنسان بنفسه تظل ناقصة إذا لم ير من شاركوا في رعايته. نستطيع أن نفخر بما بنيناه وأن نعترف في الوقت نفسه بأن أيدينا تعلمت القوة بعدما حملتها أيدٍ أخرى، وأن قدرتنا على المضي بدأت بعناية لم نصنعها وحدنا
ثم ظهرت القوشة قرب أمي. وهي مهد خشبي تقليدي للصغار، كان جزءًا من حياتنا نحن الشراكسة، تحيط بالطفل جوانبه وتحمله قاعدتان مقوستان تسمحان بتحريكه ذهابًا وإيابًا. تضع الأم صغيرها فيه وتهزه حتى يهدأ وينام. كان سريري حتى تجاوزت السنتين وكانت مساحته الصغيرة عالمي الأول. حين أتأمله الآن، أفكر أن الطفل يعرف المكان مما يصله فيه من دفء وصوت وقرب، قبل أن يعرف حدوده. ربما كان صوت أمي يومها أوسع من الغرفة، وكانت عودتها إلى المهد تعيد إلى العالم طمأنينته
كانت تواصل هزي حتى أسكت وأنام وحين أستعيد المشهد بالخيال، أظن أن كثرة الحركة ربما جعلتني أدخل حالًا تشبه الإغماء قبل النوم. هذا تصور لما قد يكون شعر به جسدي وليس ذكرى أستطيع الجزم بها. أتخيل سقف الغرفة يتحرك فوقي، ثم تبهت حدوده ويتراجع الصوت وتبقى أمي تنتظر استقرار نومي وربما تأمل أن تنجز عملًا مؤجلًا أو تحصل على راحة قصيرة. أريد الآن أن أمنحها في خيالي لحظة تجلس فيها، وتترك يديها ساكنتين، وتكون لها أمنية تخصها ووقت لا يطلب منها أحد شيئًا خلاله
مرت السنوات الثماني الأولى من عمري دون كهرباء. كان النهار يشارك في ترتيب أعمال البيت، ثم يتراجع الضوء وتتغير هيئة الأشياء وكان للماء حسابه وللطعام تدبير ولم تكن هناك سوبرماركت بخيارات تنتظر رغباتنا. الطفل الذي كنتُه عاش ما وصل إليه من رعاية ولم يعرف مقدار الجهد وراءه. أرى اليوم أمي وجدتي في صورة أوسع، وأفهم أن كثيرًا مما حسبته طبيعة البيت كان ثمرة عملهما. أحب تلك الطفولة، وأحاول أن يكون حبي منصفًا، يحفظ دهشتها ويعترف بتعب من جعلوا أيامها ممكنة
لا أزال أذكر وجه أم خليل. توفيت حين كنت في نحو العاشرة، وبقيت ملامحها حاضرة. في الأعياد كنا نذهب إلى بيتها ونقبل يدها، أنا وكل من ساعدتهم على المجيء إلى الحياة. أستعيدنا ندخل ببهجة الأطفال وأتخيلها ترى في وجوهنا أمهاتنا وبدايات لا نتذكرها. كنا ننحني ثم نعود إلى اللعب ونترك معنى القبلة يكبر معنا. احتجت إلى العمر كي أفهم أن الزيارة كانت تصلني بفضل سبق ذاكرتي، وأن القرية علمتني الامتنان بحركة بسيطة، قبل أن أمتلك الكلمات التي أشرح بها شعوري
وثمة إحساس رافقني طوال حياتي، لا أعرف له تفسيرًا كاملًا. كلما تعرفت إلى شخص من عشيرة العساف وجدتني أحتضنه بمحبة قد تدهشه وهو لا يعرف ما أيقظه اسمه في داخلي. تسبقني الذاكرة إليه، فأشعر بالقرب قبل أن أعرف حكايته. ربما تبحث مودتي لأم خليل عن طريق تعبر به إلى الأحياء وربما أجد في الاسم فرصة لشكر لم أستطع قوله لها كما أريد. أحتضنه، وفي داخلي طفل يذهب إلى بيتها في العيد، ورجل يعرف الآن مقدار ما يستحقه ذلك اللقاء من محبة
وحين أصبحت أبًا، عشت انتظار ولادة أولادي الأربعة في المستشفيات واستمددت بعض طمأنينتي من وجود الأطباء ووسائل الرعاية. بقي قلبي معلقًا بالخبر وفهمت شيئًا من قلق أهلي وفرحهم. ثم جاء أحفادي، ورأيت أولادي يعيشون مشاعر عرفتها يوم انتظرت ولادتهم. حين أحتضن حفيدًا، أفكر في أمي وجدتي وأم خليل، وأشعر بأن يدي تعلمت الحنان من أيدٍ سبقتها. أرجو أن يجد هؤلاء الصغار في فرصهم الجديدة أسبابًا للأمان والمعرفة، وأن تبقى لهم قدرة على رؤية الأشخاص وراء ما يصل إليهم من خير
حملني الطيران أكثر من أربعين عامًا عبر السماء، وعلمتني الرحلات أن للوقت حسابًا دقيقًا. ومع ذلك، حين أسأل عن بدايتي، أعود إلى عبارة أمي التي لا تزال تتذكر أنني وصلت قبل أذان المغرب بقليل. أرى القوشة ويد أم خليل والدينار الذي رفضته والشيخ عمر دورك يصعد درج المئذنة ليصل صوته إلى البيوت. تنتهي رحلتي المتخيلة وأبقى أمام الصورة، ممتنًا لأن بعض المحبة ظل قادرًا على عبور السنوات. وأرجو أن أمنح من يأتي بعدي شيئًا يبقى معه، كما بقيت فيّ يد استقبلتني، وأخرى هزت مهدي، وصوت وضع لبدايتي علامة في مساء صويلح