إلى أمانة عمّان… لا تصادروا ما تبقّى من كرامة أبي كامل

هذا الرجل في الصورة ليس متسوّلًا ولا يقف على قارعة الطريق مادًّا يده إلى أحد. هذا أبو كامل، رجل تجاوز الثمانين من عمره، أثقل المرض جسده؛ إحدى كليتيه متعطلة والأخرى – بحسب ما نُقل عن حالته – تعمل بنسبة محدودة ومع ذلك اختار أن يحمل تعبه كل صباح، وأن يأتي من منطقة الوحدات ليجلس خمس أو ست ساعات إلى جانب عربة صغيرة يبيع عليها الكعك والبيض في شارع العمال بجانب مركز صيانة هيونداي، ثم يعود بما قسمه الله له إلى بيت يعيش فيه مع زوجته.

لم يطلب من المدينة صدقة ولم يطرق أبواب المسؤولين طالبًا راتبًا أو معونة، كل ما أراده مساحة صغيرة تحت سماء عمّان ليكسب خبزه بيديه

ثم تأتي الأمانة وتصادر العربة بما عليها

هنا لا أتحدث عن قانون ولا أدعو إلى الفوضى، ولا أقول إن الأرصفة والشوارع بلا نظام، ولكنني أسأل. هل خُلقت القوانين لتنظيم حياة الإنسان، أم أصبح الإنسان تفصيلًا صغيرًا في طريق تطبيق القانون؟

يا أمانة عمّان، خلف هذه العربة رجل في الثمانين وخلف الرجل زوجة تنتظر عودته وخلف أرغفة الكعك القليلة حياة كاملة تحاول أن تبقى واقفة دون أن تستجدي أحدًا

كان يمكن تنظيم مكانه إن كان وجوده مخالفًا. كان يمكن إنذاره أو إيجاد زاوية آمنة ومرخصة له، أو التعامل معه بما يليق بعمره وظروفه. أما أن تؤخذ العربة ومصدر الرزق، فالسؤال الذي يبقى أكبر من قيمة ما صودر. ماذا تريدون من رجل في الثمانين أن يفعل كي يعيش بكرامة؟

العدالة ليست أن نطبّق النص على الجميع بالطريقة ذاتها مهما اختلفت أحوالهم، العدالة الحقيقية أن يبقى للقانون قلب يرى الإنسان قبل المخالفة

أعيدوا لأبي كامل عربته، أو امنحوه مكانًا قانونيًا يحفظ رزقه وكرامته، لا نطلب تجاوز القانون، بل نطلب أن يظهر أجمل ما في القانون، الرحمة والحكمة

فالدولة لا تكبر حين تنتصر على عربة كعك صغيرة، بل تكبر حين تنحني مؤسساتها قليلًا كي تُعين شيخًا في الثمانين على أن يبقى واقفًا

أبو كامل لم يمدّ يده طالبًا المال… فلا تجعلوه يمدّها بعد أن كان يعمل بها

هذه ليست قضية عربة كعك. إنها امتحان صغير لإنسانيتنا جميعًا

Next
Next

"نازا"… شهادة من الداخل على سقوط الضمير قبل سقوط القنابل