الولايات العربية المتحدة

حلمٌ عابر فوق خرائط لا تزال تبحث عن نفسها

تابعتُ احتفالات الولايات المتحدة الأمريكية بمرور مئتين وخمسين عامًا على استقلالها. رأيتُ الأعلام تملأ الشوارع، والألعاب النارية تكتب في السماء تاريخًا طويلًا من الصعود والانكسار، ورأيتُ شعبًا يستعيد لحظة تأسيسه الأولى، لا لأن تاريخه كان خاليًا من الأخطاء، بل لأنه استطاع أن يحوّل ولاياته المتباعدة إلى فكرة سياسية واحدة

خمسون ولاية، لكل واحدة منها اسمها وخصوصيتها وقوانينها المحلية وذاكرتها ولهجتها وطبيعتها، لكنها حين تقف أمام العالم تتحدث بصوت دولة واحدة

تساءلتُ وأنا أتابع المشهد: كيف استطاعت مساحات شاسعة، وشعوب متعددة الأصول، ومصالح مختلفة، أن تجتمع تحت علم واحد، بينما بقي العرب، وهم أبناء لغة واحدة وتاريخ متداخل وجغرافيا متصلة، موزعين بين الحدود والحواجز والخلافات؟ لم أجد جوابًا

أطفأتُ شاشة التلفاز، وبقيت الأضواء الأمريكية تلمع في ذهني. ثم غلبني النعاس، وكأن العقل، عندما يعجز عن إصلاح الواقع، يفتح للحلم بابًا سريًا كي يعيد ترتيب العالم

وفي تلك الليلة رأيتُ دولةً لم أرها على خريطة من قبل. كان اسمها: الولايات العربية المتحدة

لم تكن دولة تلغي البلدان العربية، ولم تكن إمبراطورية تبتلع هويات الشعوب، ولم يكن الأردن قد ذاب في غيره، ولا مصر فقدت نيلها، ولا العراق نسي دجلة والفرات. كان الأردن أردنًا، والعراق عراقًا، ومصر مصرًا. كانت فلسطين فلسطين، وسوريا سوريا، ولبنان لبنان، والسعودية سعودية، والإمارات إمارات، وقطر قطرًا، والبحرين بحرينًا، والكويت كويتًا، وعُمان عُمانًا، واليمن يمنًا

وكان المغرب مغربًا، والجزائر جزائر، وتونس تونس، وليبيا ليبيا، والسودان سودانًا، والصومال صومالًا، وموريتانيا موريتانيا، وجيبوتي جيبوتي، وجزر القمر جزرًا عربيةً تضيء بعيدًا في المحيط. لم يُطلب من بلد أن يتنازل عن اسمه، ولا من شعب أن يمحو ذاكرته، ولا من مدينة أن تبدّل ملامحها

كانت كل دولة ولاية عربية مستقلة ذاتيًا، تحتفظ بدستورها المحلي، ونظامها الإداري، ومؤسساتها، وثقافتها، ولهجاتها، وخصوصيتها الاجتماعية. كان لكل ولاية برلمانها وحكومتها المحلية وميزانيتها وخططها التنموية، لكن جميع الولايات اتفقت على أن المصير أكبر من الحدود، وأن السيادة لا تضعف حين تتشارك الدول في القوة، بل قد تصبح أكثر قدرة على حماية ذاتها

وفي ذلك الحلم، لم تكن الحكومة الاتحادية تتدخل في تفاصيل حياة الشعوب، ولم تكن تجلس فوق العواصم كسلطة ثقيلة. كانت مهمتها محددة وواضحة: سياسة خارجية واحدة، ودفاع عربي مشترك، وجيش اتحادي يحمي الجميع ولا يحكم أحدًا

لم يكن هناك جيش يتجه إلى عاصمة عربية أخرى، ولا طائرة عربية تقصف مدينة عربية، ولا جندي يقف على حدود شقيقه وكأنه يقف أمام عدو

كان الجيش العربي الاتحادي واقفًا على حدود الأمة الخارجية، لا في شوارعها الداخلية. وكان السفراء العرب في العالم يتحدثون بلغة واحدة حين تكون المصالح الكبرى على المحك. فإذا تفاوضوا على الماء تفاوضوا باسم أمة، وإذا ناقشوا الطاقة تحدثوا باسم قوة اقتصادية واسعة، وإذا دافعوا عن فلسطين لم تكن القضية بيانًا موسميًا، بل موقف دولة اتحادية تملك الإرادة والأدوات

سألتُ رجلًا في الحلم: لماذا اجتمعت هذه الدول بعد قرون من التباعد؟

فقال: لأنها أدركت متأخرةً أن الخلاف بين الإخوة لا يجعل كل واحد منهم أقوى، بل يجعل بيتهم مفتوحًا للغرباء

ثم أضاف: لقد ظننا طويلًا أن الاستقلال يعني أن يقف كل بلد وحيدًا، حتى اكتشفنا أن الوحدة لا تعني إلغاء الاستقلال، بل حمايته

مشيتُ في شوارع تلك الدولة العجيبة، فرأيتُ قطارًا ينطلق من مسقط، يعبر أبوظبي والرياض وعمّان ودمشق وبيروت، ثم يصل إلى القاهرة وطرابلس وتونس والجزائر والرباط. لم يكن المسافر العربي يُعامل كغريب في أرض عربية، ولم تكن الحدود جدرانًا نفسية تفصل الإنسان عن امتداده

كان الطالب الأردني يستطيع الدراسة في جامعة مغربية، والطبيب المصري يعمل في العراق، والمهندس العراقي يشارك في إعمار اليمن، والباحث التونسي يعمل في مركز علمي خليجي، والفلاح السوداني يمد أسواق المنطقة بالغذاء، من دون أن يشعر أحد أنه يمنح وطنه لغيره

كانت الثروة تتحرك حيث توجد الحاجة، والخبرة تتحرك حيث يوجد النقص، والإنسان يتحرك حيث يستطيع أن يبدع. لم تكن الوحدة في الحلم نشيدًا يُقال في المؤتمرات، بل شبكة مصالح عادلة. لم تكن قصيدة حماسية تنتهي بانتهاء التصفيق، بل سككًا حديدية، وجامعات مشتركة، ومراكز أبحاث، ومشروعات للمياه والطاقة والغذاء، وصندوقًا اتحاديًا يساعد الولايات الأقل قدرة على النهوض

كانت الصحراء العربية مغطاة بمحطات الطاقة الشمسية، وكانت مياه البحار تُحلّى ضمن مشروع عربي مشترك، وكانت الأنهار تُحمى بالعلم والتفاوض والقوة القانونية، وكانت العقول العربية التي هاجرت إلى الخارج تجد في أوطانها مختبرات تليق بأحلامها

سألتُ امرأة كانت تجلس أمام مكتبة كبيرة: كيف وُلدت هذه الدولة؟

قالت: لم تولد عندما أحب العرب بعضهم أكثر؛ فالمحبة وحدها لا تبني الدول. لقد وُلدت عندما فهموا مصالحهم بطريقة أكثر نضجًا

وأضافت: لقد توحدوا لأن العالم لا يسمع الأصوات المتفرقة، ولأن الاقتصاد الصغير يبقى تابعًا مهما امتلك من ثروات، ولأن الأمن الفردي وهمٌ في منطقة تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى

في الحلم، أدرك العرب أن النفط وحده لا يصنع قوة، وأن عدد السكان وحده لا يصنع حضارة، وأن التاريخ المجيد لا يحمي المستقبل إذا بقي حبيس الكتب. اكتشفوا أن قوتهم كانت موزعة بينهم بصورة تكاد تكون ساخرة: هنا المال، وهناك الإنسان، وفي مكان آخر الأرض الزراعية، وفي بلد رابع المياه، وفي خامس الموانئ، وفي سادس المعرفة، وفي سابع الموقع الاستراتيجي

كان كل بلد يحمل قطعة من الصورة، لكنه يصر على النظر إلى قطعته وحدها. وحين جمعوا القطع، ظهرت أمامهم قارةٌ من الإمكانات. رأيتُ في الحلم مجلسًا اتحاديًا تجلس فيه الولايات متساوية في الكرامة. لم تكن الولاية الغنية تشتري قرار الفقيرة، ولم تكن الكبيرة تبتلع الصغيرة، ولم تكن الكثرة السكانية تمنح شعبًا حق الوصاية على شعب آخر

كان هناك مجلس يمثل السكان، ومجلس آخر يمثل الولايات بالتساوي، حتى لا تتحول الوحدة إلى هيمنة، ولا يصبح الاتحاد اسمًا جديدًا للسيطرة. وكان الدستور الاتحادي يقول: لا وحدة بلا حرية، ولا قوة بلا عدالة، ولا اتحاد يقوم على إكراه الشعوب.

ولعل أجمل ما رأيته أن فلسطين لم تعد وحيدة في قاعة الانتظار. لم تكن قضيتها معلقة بين الخطب والقرارات، بل أصبحت مسؤولية سياسية وقانونية واقتصادية وأمنية لاتحاد كامل. لم يعد الفلسطيني مطالبًا بأن يشرح وجعه كل يوم، لأن الأمة كلها صارت تحمل معه ذاكرة الأرض وحق العودة وكرامة الإنسان

وفي مكان بعيد من الحلم، رأيتُ أطفالًا يدرسون تاريخ العرب، لا كتاريخ حروب بين الدول، بل كتاريخ حضارة واحدة تعددت مراكزها. كانوا يعرفون أن بغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة وفاس وعمان والقدس وصنعاء والخرطوم ليست جزرًا منفصلة، بل فصول من كتاب واحد مزقته السياسة، ولم تستطع الجغرافيا أن تنسى وحدته

سألتُ طفلًا كان يرسم خريطة كبيرة: أين حدود ولايتك؟ نظر إليّ بدهشة وقال: حدود ولايتي معروفة، أما حدود مستقبلي فلا أريد لها أن تكون ضيقة. عندها شعرتُ أن الطفل قال ما عجزت أجيال كاملة عن قوله. فالوطن ليس جدارًا نخاف أن يقترب منه الآخرون، بل بيتٌ يعرف أهله كيف يفتحون أبوابه من غير أن يفقدوا مفاتيحه. والوحدة ليست أن تتشابه الوجوه، بل أن تتفق الإرادات. وليست أن يصبح العرب نسخة واحدة، بل أن تتحول اختلافاتهم من أسباب للصراع إلى مصادر للتكامل

في الحلم، لم تختفِ المشكلات. كانت هناك خلافات بين الولايات، وأزمات اقتصادية، وصراع بين المحافظين والمجددين، ونقاشات حادة حول توزيع الثروات والصلاحيات. لكن الفرق أن الخلاف أصبح يحدث داخل بيت واحد، تحت سقف الدستور، لا عبر الحروب والحصار والتحريض

لقد تعلموا أن السياسة ليست فن صناعة الأعداء، بل فن إدارة الاختلاف دون هدم البيت. وبينما كنتُ أقف أمام مبنى كُتب عليه: مجلس الولايات العربية المتحدة، ارتفعت في السماء أعلام الدول العربية كلها. لم يُنزلوا علمًا واحدًا، بل أضافوا فوقها علمًا اتحاديًا يجمعها. كان علمًا لا يطلب من الإنسان أن ينسى وطنه، بل يذكّره بأن لوطنه عائلةً أكبر

سمعتُ نشيدًا لم أعرف كلماته، لكنني فهمت معناه. كان يقول إن العرب تأخروا كثيرًا، وإنهم دفعوا ثمن تفرقهم من دم أبنائهم، ومن فقر شعوبهم، ومن هجرة علمائهم، ومن مدنهم التي تهدمت وهي تنتظر النجدة من أشقائها

ثم دوّى صوت في الساحة: لقد انتهى عصر الدولة التي تبحث وحدها عن مقعد في العالم. بدأ عصر الأمة التي تصنع مقعدها بيدها. في تلك اللحظة، شعرتُ أنني أقف أمام مستقبل لم يولد بعد، لكنه ليس مستحيلًا. فكل واقع عظيم كان في بدايته فكرة بدت مستحيلة، وكل اتحاد بدأ يومًا بخوف، وكل دولة كبيرة كانت قبل قيامها مجموعة أقاليم تشك في بعضها. ربما لم يكن العجز في الإمكانات، بل في الخيال. وربما أخطر ما أصاب العرب ليس الانقسام الجغرافي، بل اقتناعهم الداخلي بأن هذا الانقسام قدر أبدي

اقترب مني شيخ يحمل كتابًا قديمًا، وقال: الشعوب التي لا تتخيل مستقبلها، تعيش مستقبلًا يتخيله الآخرون لها. وقبل أن أسأله عن اسمه، سمعتُ صوتًا بعيدًا يوقظني

فتحتُ عيني

اختفى مجلس الولايات، وتوقفت القطارات، وغابت المدن المضيئة. عدتُ إلى شاشة الأخبار، فرأيتُ الحدود مغلقة، والحروب مستمرة، واللاجئين يسيرون في طرق المنفى، والخلافات العربية تكبر حول مسائل كان يمكن للعقل أن يحلها، لو لم تتغذَّ من الخوف والمصالح الضيقة

رأيتُ وطنًا عربيًا واسعًا، لكنه يتصرف كغرف متجاورة في بيت واحد، أقام أهل كل غرفة جدارًا إضافيًا، ثم اشتكوا جميعًا من ضيق المكان. استيقظتُ على الحقيقة المحزنة: أننا نملك اللغة ولا نملك الخطاب الواحد، ونملك الثروة ولا نملك المشروع، ونملك الجغرافيا ولا نملك الطريق، ونملك التاريخ لكننا لم نتفق بعد على المستقبل

ومع ذلك، لم أشعر أن الحلم كان عبثًا. فالأحلام السياسية لا تتحقق كما نراها في النوم، لكنها تكشف لنا ما نفتقده في اليقظة. وربما لم تكن «الولايات العربية المتحدة» دولةً رأيتها في المنام، بل سؤالًا طرق باب عقلي: لماذا لا يستطيع العربي أن يحافظ على أردنه وعراقه ومصره ومغربه، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى قوة عربية أكبر تحمي الجميع؟ لماذا نعتقد أن الوحدة تطلب منا إلغاء الأوطان، بينما يمكنها أن تمنح الأوطان مساحةً أوسع للحياة؟ ولماذا نقبل أن يتوحد الآخرون حول مصالحهم، ثم نصف وحدتنا نحن بأنها خيال؟ أغلقتُ النافذة، ونظرتُ نحو السماء التي كانت هادئة بعد ليلة الاحتفالات

قلتُ في نفسي: قد لا أعيش حتى أرى تلك الدولة، وربما لن يراها أبنائي بالصورة التي رأيتها، لكن الأمم لا تبدأ من اكتمال الطريق؛ إنها تبدأ من إنسان يجرؤ على تخيل الطريق

وبين الحلم والواقع بقي السؤال معلقًا: هل كانت الولايات العربية المتحدة مجرد دولة رأيتها وأنا نائم، أم أنها وطنٌ ما زال العرب نائمين عنه؟

Next
Next

If—: The Journey Within