حين يتحدث الأردنيون عن وطنهم

حين يتحدث الأردنيون عن وطنهم، لا يتحدثون عن رقعة جغرافية فحسب، ولا عن حدود مرسومة على خريطة، بل عن ذاكرة طويلة من الصبر، وعن بيوت حملت القلق والرجاء معًا، وعن دولة تعلّمت أن تعيش في قلب منطقة لم تعرف الهدوء طويلًا

والحديث عن الوطن ليس دائمًا مديحًا، أحيانًا يأتي في صورة عتب، وأحيانًا في سؤال، وأحيانًا في شكوى من واقع اقتصادي أو فرصة ضاعت أو قرار لم يكن في مكانه، وهذا لا يعني أن المحبة نقصت، فربما كان العتاب، حين يكون صادقًا، أحد وجوه الانتماء، فالإنسان لا يقلق على بيت لا يعنيه، ولا يسأل عن مستقبل مكان لا يشعر أنه جزء منه

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، وحين نظن أن الدفاع عن الدولة يقتضي إنكار أخطائها، أو أن نقد الخطأ يقتضي إنكار إنجازاتها، فالوطن أكبر من أن نحبسه في موقف واحد، وأعمق من أن نقيس الانتماء إليه بكلمة عابرة أو رأي مختلف

الأردني حين يتحدث عن وطنه، يريد قبل كل شيء أن يشعر بأنه شريك في مستقبله، أن يسمع صوته، وأن يرى العدالة في الفرص، وأن يطمئن إلى أن الكفاءة لا تضيع، وأن القانون لا يميز بين الناس، فهو لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يرى المسافة بين القول والفعل تضيق يومًا بعد يوم

وفي المقابل، لا يمكن أن يكون الوطن مجرد قائمة من المطالب، فالمواطنة مسؤولية أيضًا، في احترام القانون، وإتقان العمل، وحماية المال العام، ورفض الواسطة حين تخدمنا كما نرفضها حين تضرنا

لقد مر الأردن بمحطات صعبة، وكان تماسكه دائمًا جزءًا من قوته، لكن التماسك الحقيقي لا يُبنى بالصمت، بل بالثقة، والثقة لا تُصنع بالشعارات، بل بالعدل والوضوح والقدرة على الاعتراف بالخلل وتصحيحه

حين يتحدث الأردنيون عن وطنهم، ينبغي أن يصغي بعضهم إلى بعض، فالأوطان لا تبنيها الأصوات المتشابهة، بل الإرادة المشتركة رغم اختلاف الأصوات

فالاختلاف لا يضعف الوطن، ما دام الوطن هو الغاية

Previous
Previous

When Jordanians Speak About Their Homeland

Next
Next

الأردن أولًا… ولكن كيف؟