عمّان بين الفوضى والإدارة الغائبة
الخاطرة الصباحية
كانت عمّان يومًا صورةً لطموحٍ حضريٍّ يصعد نحو المستقبل، لكن المدينة اليوم تبدو كأنها تتحرك بلا بوصلة. طرقٌ تتعب قبل أن تُنجز، نقلٌ عام لا يعرف وجهته، نفايات تتكلم بصمتٍ عن غياب من يسمعها، وتخطيطٌ يركض خلف الأزمات بدل أن يتقدم أمامها. لم تفشل المدينة وحدها… بل فشل من يفترض أن يمنحها معنى الاتساق. وهكذا تستيقظ عمّان كل صباح على السؤال ذاته: من يدير من؟ الإدارة تقود المدينة أم المدينة تجرُّ الإدارة وراءها؟
الخاطرة المسائية
مع حلول المساء، تظهر عمّان كما لو أنها تكشف حقيقتها دون تجميل. شوارعٌ كانت تنتظر الإصلاح صارت تنتظر الرحمة. إصلاحات تُنفّذ كأن الزمن لا قيمة له، تتدهور قبل أن يجف طلاءها، وكأن الفكرة ليست في الحل بل في تقليد شكله. حفريات تمتد لأسابيع وشهور، ثم تعود كما لو أن الزمن دار دورةً كاملة بلا نتيجة. أرصفة خجولة لا تعرف إن كانت للمارة أم للمخالفات. ومشاريع تتعثر لأنها بدأت قبل أن تُفكّر، وانتهت قبل أن تُفهم
وفي قلب الأزمة، يقف النقل العام شاهدًا على مفارقة المدينة: باصٌ سريع… يركض ببطء؛ مشروعٌ ضخم بلا منطق تكاملي؛ طرقٌ ضاقت بعد أن قيل إنها ستتّسع؛ ومساراتٌ تُعيد تشكيل الفوضى بدل أن تزيلها. في وقتٍ تُعيد فيه عواصم العالم تعريف الحركة كحقٍ حضري، ما زالت عمّان تنظر للمواصلات كخدمة جانبية لا كعمودٍ فقري لمدينتها
أما البيروقراطية، فهي حكاية أخرى. ترخيص بناء يشبه عبور غابةٍ من الأوراق. مستثمرٌ يقف عند باب الإدارة ينتظر إذنًا لا يُصدر إلا بعد أن تُستنزف الإرادات. رسومٌ ترتفع، وخدماتٌ تهبط، ومعادلةٌ مختلة لا يفهمها المواطن إلا حين يخسر وقته، ماله، وصبره. وعندما يغيب التخطيط، يتكاثر الإسمنت مثل عشوائية الأفكار، وتكبر المدينة لا بنموٍ عمراني… بل بتراكم الفوضى
وفي الخلفية، تمرّ شاحنات النفايات ككناية سياسية قبل أن تكون خدمة بلدية. تراكمٌ لا يختفي لأنه ليس مشكلة جمع… بل مشكلة فهم. أمطارٌ تغرق الشوارع لا لأن السماء جادت، بل لأن الأرض لم تُصمَّم لتستقبل. كل ذلك يجعل السؤال أكثر حدّة من الأزمة نفسها: هل نحن أمام مدينة تنقصها الموارد… أم إدارة تنقصها الرؤية؟
إن عمّان لا تحتاج لمشاريعٍ تُلتقط بعد الإنجاز في الصور، بل لخطة تُرى قبل التنفيذ في العقول. تحتاج إلى إدارة تُصالح المدينة مع نفسها، تعيد للشارع معنى الشارع، وللمواطن قيمة المواطن. تحتاج إلى من يفهم أن التنمية ليست ورقة تُوقع، بل روح تُدار
فالمدن لا تفشل من تلقاء نفسها… إنما تفشل حين يغيب من يفكر لها قبل أن يعمل عليها. وإن بقيت القرارات تُبنى كردّ فعل للأزمات بدل أن تكون مانعًا لوجودها، ستظل عمّان تدور في الدائرة نفسها: أزمة تولد أزمة، ومواطن يدفع الثمن في كل مرة