العمر الذي مرّ من هنا ولم يطرق الباب
في زاوية خفية من هذه الحياة، يقف الإنسان كمن ينتظر قطاراً لا يعرف موعده، يحمل في يده حقيبة ممتلئة بالأحلام، وعلى كتفيه أثقالاً لم يخترها كلها. يبدأ الطريق وهو يظن أن السرعة نجاة، وأن الوصول المبكر انتصار، وأن الزمن خصم يجب أن يُغلب قبل أن يغلبه
يكبر الإنسان مستعجلاً، كأنه يهرب من طفولته إلى وعدٍ غامض اسمه النضج. يترك خلفه ضحكته الأولى، دهشته الأولى، وخفة قلبه الأولى، معتقداً أن الحياة الحقيقية تبدأ حين يصبح أكثر جدية، أكثر انشغالاً، وأكثر قدرة على إخفاء تعبه. لكنه لا يدرك أن بعض ما يسميه نضجاً ليس إلا ابتعاداً بطيئاً عن نفسه
ثم يدخل سباق الأيام. يعمل، يخطط، يقلق، يجمع، يخسر، يعوّض، ويؤجل. يؤجل الراحة إلى نهاية الأسبوع، والفرح إلى ما بعد النجاح، واللقاء إلى وقتٍ أنسب، والسكينة إلى مرحلة قادمة. وكلما ظن أنه اقترب من الطمأنينة، وجدها تتحرك أمامه مثل سراب في صحراء واسعة
والغريب أن الإنسان يظل يبيع حاضره بثمن مستقبل لم يضمنه. يخاف مما سيأتي، فينسى ما هو بين يديه. يندم على ما مضى، فيفقد ما تبقى. يعيش بين بابين مغلقين: باب الأمس الذي لا يعود، وباب الغد الذي لم يُفتح بعد، بينما النافذة الوحيدة المفتوحة أمامه اسمها الآن
هناك لحظة قاسية تأتي بلا موعد، لحظة يلتفت فيها المرء إلى الخلف فيرى أن العمر لم يكن طويلاً كما ظن، وأن السنوات التي بدت واسعة كانت تمر بصمت، وأن الضجيج الذي ملأ أيامه لم يكن دائماً حياة. يكتشف أن الصحة التي أهملها كانت ثروته الأولى، وأن القلب الذي أثقله بالخوف كان يحتاج إلى قليل من الرحمة، وأن الأشياء التي طاردها طويلاً لم تمنحه دائماً ما وعدته به
ليست المأساة أن يكبر الإنسان، بل أن يكبر دون أن ينتبه. ليست الخسارة أن يمضي العمر، بل أن يمضي وهو مؤجل. فكم من إنسان امتلك الكثير، لكنه لم يذق طعم السكينة. وكم من شخص وصل إلى ما أراد، ثم اكتشف أن الطريق أخذ منه أكثر مما أعطاه
إن الحياة لا تطلب منا أن نتوقف عن الحلم، ولا أن نترك السعي، لكنها تهمس لنا أن نمشي بوعي، ألا نسمح للخوف أن يقودنا، ولا للندم أن يسجننا، ولا للطموح أن يحوّلنا إلى غرباء عن أرواحنا
فالعمر لا يطرق الباب مرتين. وما لا نعيشه اليوم، قد لا ينتظرنا غداً. والحكمة كل الحكمة أن ننجو من هذا السباق لا بأيدٍ ممتلئة فقط، بل بروح لم تفقد قدرتها على الدهشة، وقلبٍ يعرف أن أعظم انتصار في هذه الدنيا هو أن يصل الإنسان إلى نهاية الطريق وهو قادر أن يقول: لقد عشت، لا أنني مررت فقط