هناك كتب نقرأها فنشعر أنها ابنة زمنها، وهناك كتب تبدو كأنها سافرت عبر القرون لتصل إلينا ومعها أسئلة لم تنتهِ. ومن هذا النوع تأتي "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، الشاعر والفيلسوف العربي السوري المولود في معرة النعمان سنة 973م والمتوفى سنة 1057م عاش المعري أعمى منذ طفولته بعد إصابته بالجدري، لكن فقدان البصر لم يمنعه من أن يصبح واحدًا من أكثر أصوات الأدب العربي فرادة وجرأة وتأملًا
كُتبت "رسالة الغفران" في القرن الحادي عشر الميلادي ردًا على رسالة بعث بها إليه علي بن منصور، المعروف بابن القارح، لكن المعري لم يكتفِ بجواب مباشر، بل صنع رحلة تخييلية واسعة تبدأ من العالم الآخر حيث يتنقل ابن القارح بين مشاهد الجنة والجحيم ويلتقي شعراء وأدباء وشخصيات من التراث ويتحاور معهم حول الشعر واللغة والمغفرة والمصير وقد صدرت الرسالة في طبعات حديثة كثيرة بينما يعود أصلها إلى ذلك القرن البعيد الذي سبق الطباعة بقرون
ما يدهشني في هذا الكتاب أن المعري لم يستخدم العالم الآخر ليقدم موعظة مباشرة، بل ليضع البشر وأحكامهم تحت المجهر، ففي الدنيا نُكثر من التصنيف. هذا صالح وهذا فاسد وهذا يستحق الرحمة وذاك لا يستحقها. أما في "رسالة الغفران" فتنقلب الصورة، نرى أناسًا لم يكن القارئ يتوقع لهم النجاة، ثم نجدهم في مواضع الغفران وكأن المعري يذكّرنا بأن الحكم النهائي ليس بيد البشر
وهنا تبدأ سخرية الكتاب، ليست سخرية من العقيدة بقدر ما هي سخرية من ثقة الإنسان المفرطة في قدرته على إصدار الأحكام على الآخرين، فهو يضع اللغة والشعر والفقه والسمعة الاجتماعية أمام سؤال أكبر. هل يستطيع الإنسان أن يعرف باطن إنسان آخر حقًا ؟ وقد توقفت طويلًا عند هذه الفكرة
نحن نعيش حياتنا وكأننا نعرف الناس من ظواهرهم، نسمع قصة، فنصدر حكمًا، نقرأ بيت شعر فنصنع لصاحبه صورة كاملة، نسمع تهمة فنحوّلها إلى حقيقة وربما أراد المعري أن يقول لنا إن الإنسان أكثر تعقيدًا من ملف يختصره في كلمة واحدة
في الطيران تعلمت شيئًا قريبًا من ذلك، من فوق، قد تبدو مدينة كاملة بقعة صغيرة وقد يبدو طريق طويل مجرد خط رفيع، كلما ابتعدت عن الشيء بدا أبسط، لكن الاقتراب يكشف تفاصيل لم ترها من قبل. وكذلك البشر. الحكم من بعيد سهل، أما الفهم فصعب. ولهذا تبدو "رسالة الغفران" لي رحلة في العالم الآخر، لكنها في الحقيقة عودة قاسية إلى هذا العالم. فالمعري يتحدث عن الجنة والنار لكنه يكشف غرور الإنسان في الأرض غروره حين يظن أنه يعرف من يستحق الرحمة ومن يستحق العقاب
وفي عام 2026 أصبحت هذه المسألة أكثر حضورًا مما كانت عليه في زمن المعري. نحن نعيش في عصر يستطيع فيه حكم واحد أن ينتشر في ثوانٍ، تعليق مقطع قصير صورة أو منشور قد يصنع سمعة إنسان أو يهدمها قبل أن تصل قصته كاملة إلى أحد، وكأن محكمة الناس أصبحت أسرع من أي وقت مضى لكنها ليست بالضرورة أكثر عدلًا
وقد أصبح الإنسان اليوم قادرًا على أن يعرف عن الآخرين أكثر مما كان ممكنًا قديمًا، لكنه ربما لا يفهمهم أكثر. نعرف صورهم وآراءهم وتحركاتهم وأحيانًا زلاتهم القديمة لكن المعرفة بالمعلومات لا تعني المعرفة بالإنسان
وهنا أجد المعري حديثًا جدًا. ربما كان سيبتسم لو رأى عالمنا لا لأننا تقدمنا بل لأننا ما زلنا نكرر الخطأ القديم نفسه بأدوات جديدة. نحكم بسرعة ونغفر ببطء وننسى أن الحقيقة الكاملة نادرًا ما تكون في متناولنا. واللافت في "رسالة الغفران" أيضًا أنها تجمع بين الجد والهزل وبين الفلسفة والأدب وبين اللغة والخيال. وهذا ما يجعلها نصًا فريدًا، فهي لا تقدم نفسها كتابًا في العقيدة ولا رواية بالمعنى الحديث ولا دراسة نقدية خالصة بل مساحة تتجاور فيها هذه الأنواع كلها. وقد وصفها كثير من الباحثين بأنها من أبرز أعمال التراث العربي التخييلية والنقدية لأنها جعلت العالم الآخر مسرحًا لاختبار أفكار الدنيا
الموعظة
خرجت من "رسالة الغفران" بفكرة أعمق من قصة النجاة والعقاب. أن الرحمة ليست ضعفًا في الحكم، بل اعتراف بحدود معرفتنا. فنحن لا نرى من الإنسان إلا جزءًا ونسمع من قصته فصلًا ثم نتصرف أحيانًا كأننا قرأنا الكتاب كله. لقد علمتني السماء أن ما تراه من ارتفاع معين ليس الحقيقة كاملة، بل زاوية منها
والإنسان كذلك. قد نرى خطأه ولا نرى خوفه نرى كلمته ولا نرى جرح، نرى سقوطه ولا نعرف الطريق الطويل الذي أوصله إلى الحافة. ولعل المعري كان أكثر حكمة من عصره حين وضع الغفران فوق أحكام البشر وكأنه يقول إن الرحمة أوسع من مقاييسنا الضيقة
فلا تكن أسرع الناس إلى الإدانة لأنك قد تعرف الفعل ولا تعرف صاحبه وقد ترى السقوط ولا تعرف العاصفة التي سبقته، وما بين الحقيقة والحكم مسافة طويلة لا يقطعها إلا من يملك التواضع أن يقول. لعلني لا أعرف القصة كلها