عدنا إلى البيت بعد العاشرة والنصف ليلًا، وكان من الطبيعي أن ينتهي ذلك اليوم الطويل بالراحة لكن البوبو غيرت ملابسها ونزلت إلى المطبخ، ثم بدأت تلف أوراق الملفوف واحدة بعد أخرى وقفت أراقبها، والليل يوشك أن ينتصف بينما كان عقلها قد سبقنا إلى الغد، لم تكن تفكر في تعبها بل في غداء اليوم التالي وكأن الزمن عندها لا يقاس بالساعات بل بما بقي من واجب لم يُنجز بعد
في تلك اللحظة لم أر امرأة تلف الملفوف، بل رأيت خمسة وأربعين عامًا تنفتح أمامي، رأيت شابة بدأت بيتها في الثامنة عشرة، ثم أمًا في العشرينيات من عمرها تحتضن أربعة أطفال بينما كان زوجها بين المطارات والسماء، كنت أقود طائرة تحمل مئات الركاب، وكانت هي تتعلم، بلا دليل تشغيل، كيف تقود بيتًا يحمل أربعة مصائر
ولهذا لم تكن البوبو غائبة عن حكايتي. ذكرتها في "حكاية طيار" ثم شعرت أن المرور بها في صفحات متفرقة لا يكفي فأفردت لها كتابًا خاصًا هو "حكاية زوجة طيار" فالطيار لا يعيش حكايته وحده، هناك دائمًا نصف آخر من الرحلة يبقى على الأرض في البيت في المدرسة في المستشفى في المطبخ وفي قلب امرأة تعرف أن الغياب لا يعفيها من شيء
كانت البوبو تحمل أربعة أبناء لا أربعة أسماء. لكل واحد طبعه وخوفه ومرضه وامتحاناته وأحلامه. كانت تعرف من عاد من المدرسة صامتًا ومن لم يأكل جيدًا ومن يخفي مشكلة ومن يحتاج إلى حزم ومن يحتاج فقط إلى حضن. وكم من مرة جاء اجتماع الأهل في المدرسة وأنا في بلد آخر أو بين رحلتين فتدخل وحدها تسمع وتسأل وتناقش وتخرج وهي تحمل دور الأب والأم معًا
وما زلت أذكر قصة باص المدرسة. اقترحت عليها يومًا أن يذهب الأولاد بالباص مثل غيرهم ليوفر عليها مشقة القيادة صباحًا والعودة ظهرًا لكنها رفضت لأن الباص كان يعني أن يستيقظوا أبكر بنحو نصف ساعة. بالنسبة إليها لم تكن ثلاثون دقيقة شيئًا قليلًا بل وقتًا يمكن أن تهديه لهم من نومهم. فاختارت أن تستيقظ هي أبكر كي يناموا هم أكثر. يومها رأيت الأمر مجرد قرار في المواصلات أما اليوم فأراه درسًا كاملًا في الأمومة. أن تختار أنت المشقة لتمنح من تحب قليلًا من الراحة
وفي رمضان كانت تفعل الشيء نفسه بطريقتها. إذا رفض أحد الأولاد الاستيقاظ للسحور كانت تحمل إليه الطعام وهو في سريره وعيناه بالكاد تنفتحان وتحاول أن تطعمه لقيمات قليلة. لم تكن تريد أن تنتصر عليه بل كانت تخشى أن يواجه نهار الصيام بمعدة فارغة. وهذه هي الأمومة في أبسط صورها وأعمقها. أن تفكر في راحة من تحب قبل أن تفكر في راحتك
أما أنا، فكثيرًا ما كنت بعيدًا. كانت أمامي أجهزة تنذرني بأي خلل في الطائرة أما البوبو فلم يكن لديها جهاز يخبرها بأن طفلًا خائف أو حزين أو يحتاج إلى كلمة، كان عليها أن تكتشف ذلك بنفسها. كان معي طاقم يساعدني أما هي فكثيرًا ما كانت وحدها. إذا مرض طفل في منتصف الليل أو اتصلت المدرسة بمشكلة أو جاء امتحان أو طارئ كان عليها أن تقرر. وربما كانت تحل الأمر كله قبل أن تهبط طائرتي ثم أعود وأسأل. كيف حالكم ؟ فتقول ببساطة: بخير
لو كان للبيوت صندوق أسود مثل الطائرات لسمعنا صوت البوبو في آلاف الليالي. توقظ طفلًا تراجع واجبًا تعد الطعام تقود إلى المدرسة تنتظر اتصالًا من زوج بعيد ثم تنام وهي تفكر في صباح الغد. ولو كان للبيت سجل ساعات كما للطيار سجل ساعات طيران فلا أدري أي سجل كان سيكون أطول
مرت السنوات وتحولت حقائب المدرسة إلى حقائب جامعة واجتماعات المعلمين إلى حفلات تخرج. وقفت البوبو ترى أبناءها وقد بلغوا ما حلمنا به طويلًا وأرى اليوم أن جزءًا من كل شهادة كان ينبغي أن يحمل اسمها. فالطالب لا يصل وحده هناك خلفه أم أيقظته أوصلته انتظرته خافت عليه غضبت منه سامحته وشجعته
كنت أنا أعمل لأمنحهم أفضل تعليم أستطيع أما البوبو فمنحتهم شيئًا لا توفره أي مدرسة ولا جامعة. الأمان. كنت أفتح لهم الأبواب وكانت هي تمنحهم الجذور التي تجعلهم قادرين على عبورها من دون أن يضيعوا
واليوم، بعدما كبر الأبناء جاءت الحياة بمكافأتها الأجمل. أصلان وسيلينا ونارت. أرى البوبو معهم فأشعر أن العمر لا يعيد نفسه بل يكتب فصلًا جديدًا. اليد التي حملت أبناءنا تحمل أحفادنا والقلب الذي اتسع لأربعة اتسع لثلاثة آخرين وكأن الأمومة لا تعرف التقاعد
وحين عدنا تلك الليلة ورأيتها تلف الملفوف بعد العاشرة والنصف فهمت أنني لم أكن أنظر إلى غداء الغد بل إلى فلسفة عمر كامل. كانت دائمًا تسبقنا إلى الغد. في طفولة الأولاد في مدارسهم في جامعاتهم واليوم في أحفادهم
لهذا لم تعد كلمة "زوجتي" وحدها تكفي لوصف البوبو. هي جزء من أولادي ومن نجاحي ومن ذاكرتي ومن معنى البيت في داخلي. كنت أنا قائدًا في السماء وكانت هي قائدًا على الأرض
وربما أعطتني السماء مهنة أحببتها وأعطاني الطيران العالم لكن الله أعطاني بالبوبو شيئًا أكبر من كل ذلك
أرضًا بقيت ثابتة، بينما كنت أنا في السماء