ليست "ألف ليلة وليلة" كتابًا وُلد من قلم رجلٍ واحد، بقدر ما هي نهرٌ طويل صبّت فيه القرونُ أصواتها، وتركت الشعوب على ضفتيه شيئًا من خوفها وحكمتها وأحلامها، تداخلت فيها بغداد والقاهرة، وفارس والهند، واختلط التاريخ بالخيال، حتى غدت الحكاية فيها وطنًا لا تحدّه خريطة، ولا ينتمي إلى قومٍ دون قوم، بل إلى الإنسان كلما خاف، وحلم، وارتحل، وانتظر الفجر
وتبدأ الليالي من جرحٍ في قلب شهريار، جرحٍ لم يحسن حمله، فتحول الألم في داخله إلى ظلم، وصار ينتقم من خيانةٍ واحدة بقتل البراءة كل صباح. حتى جاءت شهرزاد، ولم تحمل سيفًا، ولم تجادله بقوة، وإنما دخلت إلى ظلمته من الباب الذي أغفله. باب الحكاية، أدركت أن الإنسان قد يغلق قلبه في وجه الموعظة، لكنه يفتحه، من حيث لا يدري، لقصةٍ تثير فضوله. فكانت تؤجل الموت بحكاية، حتى انتهى بها الأمر إلى إحياء ما مات في داخله
ولعل تلك هي أعظم أسرار "ألف ليلة وليلة". أن الكلمة قد تفعل ما تعجز عنه القوة، وأن الحكاية ليست زينةً للوقت، بل قد تكون ضربًا من الحكمة المستترة
في طفولتنا، سرنا مع السندباد، ووقفنا عند باب علي بابا، وانتظرنا مصباح علاء الدين، ولم نكن نسأل يومئذٍ عن فلسفة تلك القصص، كنا نسكنها فحسب، ثم تمر الأعوام، ونعبر نحن بحار الحياة بطريقتنا، فإذا بنا نكتشف أن السندباد لم يكن يقطع البحار وحدها، بل كان يعبر الخوف والجشع والوحدة والطمع والرجاء
واليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي وسرعة المعرفة، أجد أن سؤال شهرزاد ما زال حيًّا، هل يكفي أن نعرف، أم ينبغي أن نفهم؟
لقد أصبح الوصول أسرع، ولكن البصيرة ليست أسرع بالضرورة، وقد ازدادت المعلومات، لكن الحكمة لا تُقاس بكثرتها
لهذا تبقى "ألف ليلة وليلة" أكثر من كتابٍ قديم، إنها تذكيرٌ بأن الخيال ليس هروبًا من العالم، بل وسيلةٌ لرؤيته على نحوٍ أعمق، وأن أخطر ما يصيب الإنسان ليس قلّة المعرفة، بل أن يعرف كثيرًا ولا يتأمل شيئًا
فلا تجعلوا السرعة بديلًا عن العمق، ولا الآلة بديلًا عن الحكمة؛ فبعض الرحلات تقطعها الأقدام، وبعضها تعبرها الطائرات، أما الرحلة الأبعد كلّها فتبدأ حين توقظ حكايةٌ سؤالًا في داخل الإنسان