القلب الذي سمع النداء… ثم اعتاد الصمت

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
سورة البقرة (74)

خاطرة صباحية

القلب خُلق ليخشع، لا ليقسُو
لكن الإنسان قد يرى الآيات، ويسمع الحق، ثم يعتاد النعمة حتى يفقد الإحساس بها

تخبرنا هذه الآية أن القسوة ليست في الجهل فقط، بل أحيانًا في الإعراض بعد المعرفة
حين يرى الإنسان الدليل ثم يبتعد، يصبح قلبه كالحجر… أو أشد قسوة

فالخطر الحقيقي ليس أن نضل الطريق،
بل أن نعرفه… ثم لا نسلكه

خاطرة مسائية

في هدوء المساء، حين نتأمل هذه الآية العميقة من سورة البقرة، ندرك أن القرآن لا يصف قصة تاريخية فقط، بل يصف حالة إنسانية تتكرر عبر العصور. هذه الآية نزلت قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، أي منذ ما يقارب 1440 سنة، ومع ذلك ما زالت كلماتها تنعكس على واقع الإنسان اليوم كما لو أنها كُتبت لزماننا

الآية جاءت في سياق الحديث عن بني إسرائيل، حين شاهدوا الآيات والمعجزات، ومع ذلك لم تلن قلوبهم. ومع مرور الوقت تحولت القلوب التي رأت الحق إلى قلوب قاسية، حتى وصفها القرآن بأنها كالحجارة أو أشد قسوة. لكن العبرة في القرآن ليست في الحكاية نفسها، بل في الرسالة التي تحملها لكل إنسان في كل زمان

فالقلب لا يقسو فجأة. القسوة تبدأ حين يعتاد الإنسان النعمة حتى لا يعود يراها، أو يسمع الحق حتى لا يعود يتأثر به. مع الزمن، تتحول الموعظة إلى صوت عابر، وتصبح القيم مجرد كلمات لا تحرك الضمير. وهنا يبدأ القلب يفقد حساسيته الروحية، تمامًا كما يفقد الحجر إحساسه بما حوله

وعندما ننظر إلى واقع العالم اليوم، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من نزول هذه الآية، نرى أن الإنسان ما زال يعاني من المشكلة نفسها. فمع كل التقدم العلمي والتقني، ما زالت القلوب قد تقسو أمام الظلم، أو تتجاهل معاناة الآخرين، أو تنشغل بالمادة حتى تنسى المعنى

لكن القرآن لا يذكر القسوة ليجعل الإنسان ييأس، بل ليوقظه. فالحجر قد يبدو جامدًا، ومع ذلك يذكر الله في نفس الآية أن من الحجارة ما يتفجر منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله. وكأن الرسالة تقول إن حتى الحجر قد يحمل حياة في داخله، فكيف بالقلب الذي خلقه الله حيًا؟

لذلك تبقى هذه الآية دعوة دائمة للإنسان أن يراجع قلبه قبل أن يراجع أفعاله. أن يسأل نفسه: هل ما زال قلبي يتأثر بالحق؟ هل ما زال يشعر بآلام الآخرين؟ هل ما زالت آيات الله توقظ في داخلي شيئًا؟

فالقلب الذي يبقى حيًا بالإيمان والرحمة لا يقسو مهما مرّ عليه الزمن
أما القلب الذي يبتعد عن المعنى، فقد يعيش قرونًا… لكنه يبقى أثقل من الحجر

Previous
Previous

When a Dream Becomes a Responsibility

Next
Next

حين يتحوّل الحلم إلى مسؤولية