التعليم في الأردن: أزمة خيارات أم أزمة قرار؟
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان التعليم في الأردن بحاجة إلى إصلاح، بل إلى أي مدى نملك الجرأة للاعتراف بأن الخلل بنيوي، وأن الحلول الجزئية لم تعد كافية. فالإصرار على إدارة الملف التعليمي بالعقلية نفسها، في عالم تغيّرت فيه المهن والمهارات وطرق التعلم، هو تأجيل مقنّع للأزمة لا أكثر.
التعليم في الأردن ما زال أسير معادلة تقليدية تُقدّس المسار الأكاديمي الجامعي، وتتعامل مع التعليم المهني وكأنه خيار اضطراري لمن "لم ينجح" أكاديميًا. هذه النظرة لم تظلم التعليم المهني فقط، بل أضرّت بالاقتصاد الوطني، وراكمت أعدادًا متزايدة من خريجي الجامعات دون فرص حقيقية في سوق العمل.
ووفق بيانات صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، فإن البطالة تتركز بنسب أعلى بين حملة الشهادات الجامعية، في مقابل طلب متزايد في السوق على المهارات التقنية والحرفية. هذه المفارقة تكشف خللًا واضحًا في توجيه التعليم، لا في قدرات الطلبة.
التعليم الأكاديمي، بصيغته الحالية، يخرّج أعدادًا كبيرة في تخصصات مشبعة، دون ربط حقيقي بحاجات السوق أو خطط التنمية. في المقابل، يعاني التعليم المهني من ضعف التمويل، وتواضع البنية التحتية، وغياب الحوافز، والأهم من ذلك: غياب القرار السياسي الجريء بإعادة الاعتبار له كمسار أساسي لا ثانوي.
السؤال الجريء الذي يجب طرحه: لماذا ما زلنا نقيس النجاح التعليمي بعدد المقاعد الجامعية، لا بعدد الخريجين القادرين على العمل والإنتاج؟ ولماذا لا تُمنح المهن التقنية المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي تستحقها، رغم أنها تشكل العمود الفقري لاقتصادات ناجحة حول العالم؟
المشكلة هنا ليست ثقافية فقط، بل سياسية أيضًا. فغياب رؤية وطنية واضحة لربط التعليم بسوق العمل جعل السياسات التعليمية تدور في حلقة مفرغة. إصلاح التعليم لا يعني تعديل امتحان أو تغيير كتاب، بل إعادة تعريف الغاية من التعليم نفسه: هل نريده مسارًا للوجاهة الاجتماعية، أم أداة لبناء اقتصاد منتج؟
الدولة مطالبة اليوم بقرار شجاع يعيد التوازن بين المسارين الأكاديمي والمهني، من خلال الاستثمار الجاد في التعليم التقني، وتحفيز الطلبة للالتحاق به، وربطه بسوق العمل، وضمان مسارات واضحة للتطور الوظيفي والمالي. فالتعليم المهني ليس مسارًا مغلقًا، بل يمكن أن يكون بوابة للريادة والابتكار إذا أُحسن التخطيط له.
ختامًا، لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح تعليمي جذري، ولا يمكن مواجهة البطالة دون كسر وهم أن الجامعة هي الطريق الوحيد للنجاح. الاستمرار في ضخ آلاف الخريجين في سوق مشبع هو قرار مكلف اجتماعيًا واقتصاديًا. أما الجرأة الحقيقية، فهي في الاعتراف بأن مستقبل الأردن لن يُبنى بالشهادات وحدها، بل بالمهارات، وبقرار سياسي يعيد للتعليم وظيفته الأساسية: إعداد الإنسان للحياة، لا للامتحان فقط.