يعلّمنا الطيران أن هدوء الرحلة لا يعني غياب الخطر وأن الاطمئنان يحتاج إلى ما يسنده من فحص وانتباه. وقد تكون الإشارة التي تزعج الطيار سببًا في سلامة من معه. لكننا في حياتنا الاجتماعية نضيق أحيانًا بمن يؤدي وظيفة هذه الإشارة. نطالبه بالصمت كي نستعيد راحتنا، كأن اختفاء ما ينبهنا إلى الخلل يزيل الخلل نفسه. هنا يبدأ السؤال عما نطلبه من الحقيقة وهل نقبلها حين تفرض علينا تغييرًا يمسّ عاداتنا ومصالحنا.
للإنسان حاجة عميقة إلى الشعور بأن حياته مفهومة وأن اختياراته تستحق ما بذله فيها. لذلك قد يستقبل مراجعة فكرة قديمة كما يستقبل تهديدًا لمعنى سنواته الماضية ويشتد دفاعه كلما دفع ثمنًا أكبر في سبيلها. الاعتراف عندئذ يحتاج إلى مصالحة مع الزمن وإلى قبول أن صدق الإنسان في اعتقاده لا يضمن صحة ما اعتقده ومن يعجز عن هذا الفصل قد يواصل الخطأ حتى يحمي صورته عن ماضيه، فيمنح الأمس سلطة على الغد.
وحين نربط كرامتنا بصوابنا الدائم، يصبح كل اعتراض جرحًا شخصيًّا. تتراجع قدرتنا على السؤال، لأن السؤال يفتح احتمالًا لا نحتمله عن أنفسنا ومع الوقت نحيط آراءنا بمن يوافقون عليها، ثم نستدل بموافقتهم على صحتها. تنشأ دائرة مغلقة يطمئن فيها الإنسان إلى صدى صوته ويحسب تكراره معرفة. أما النضج فيبدأ حين تتسع كرامتنا للاعتراف بالنقص ويصبح احترام النفس قائمًا على أمانة المراجعة.
يكشف النقد أيضًا ما نخفيه خلف لغتنا الأخلاقية. فقد نؤمن بالعدل ما دام لا يطالبنا بالتنازل عن امتياز ونحترم الكفاءة حتى تتقدم على قريب لنا وما يوجعنا في الملاحظة أنها تضعنا أمام الفرق بين المبدأ الذي نعلنه والمنفعة التي نحميها. لهذا يسهل أحيانًا اتهام الناقد بسوء النية. فالانشغال بباطنه المجهول يعفينا من مواجهة سلوكنا الظاهر ويتيح لنا الاحتفاظ بشعور الاستقامة من دون تحمل كلفتها.
في المجتمع الأردني، تمنح الروابط العائلية والاجتماعية الإنسان سندًا ومعنى وذاكرة. غير أن الوفاء يصبح موضع امتحان حين يخطئ من نحب. هل نستطيع أن نحفظ له مكانته الإنسانية ونرفض تصرفه؟ حين نعجز عن ذلك، تتحول المحبة إلى التزام بالدفاع، ويتحمل المتضرر عبئًا إضافيًّا، إذ يُطلب منه السكوت مراعاة للعلاقة التي أضرّت به. وتستقيم الروابط حين تتسع للإنصاف، وحين لا يصبح قرب أحدنا من الآخر سببًا في إبعاد صاحب الحق عن حقه.
وتظهر علاقتنا بالحقيقة في الطريقة التي نستقبل بها كلام من هم أقل مكانة. قد نردّ ملاحظة صحيحة لأن صاحبها صغير أو موظف محدود الصلاحية، فنمنح التسلسل الاجتماعي سلطة على المعرفة ومع تكرار ذلك يتعلم الناس أن السؤال تجاوز وأن الأمان في إخفاء ما يعرفون. عندها يفقد صاحب القرار جزءًا من قدرته على الرؤية، لأن الآخرين يحجبون عنه ما يخشون عاقبة قوله وقد يزداد اطمئنانه في اللحظة التي تتراجع فيها معرفته.
للصمت، في هذه الحال، تاريخ لا يظهر على وجهه. وراءه تجارب من خسروا حين تكلموا وحسابات من ينتظرون وتعب من لم يجدوا لاستماع الآخرين أثرًا. لذلك لا يصح اعتبار غياب الاعتراض علامة رضا. فقد يكون دليلًا على انقطاع الأمل في جدوى الكلام. وأشد ما يثقل المجتمع أن يعرف أفراده الخلل متفرقين، ثم يتصرفوا مجتمعين كأن أحدًا لا يعرفه. يصبح المألوف حجة لنفسه ويبدو طلب التصحيح خروجًا على نظام استقر بقوة الاعتياد.
لكن الناقد معرّض لإغراء آخر، هو أن يستمد قيمته من دوام إدانة غيره. فإذا تعلق بهذه الصورة، صار محتاجًا إلى أخطاء الناس ليؤكد تفوقه عليهم وتقتضي النزاهة أن يفحص لذته بالاتهام، وأن يسأل عما يعرفه فعلًا وما يستنتجه وعن نصيبه في الظروف التي يعترض عليها ويثبت احترامه للحقيقة حين يقبل ما يضعف حجته ويصحح حكمه علنًا إذا أخطأ. فالمساءلة تفقد معناها الأخلاقي حين يطلب صاحبها لنفسه حصانة يمنعها عن الآخرين.
ويحتاج الإصلاح إلى عدل يجعل الاعتراف ممكنًا. حين يقابل الخطأ بالتشفي، يتعلم الناس إخفاءه وحين تتساوى الهفوة والاستغلال المتعمد في الحكم، تضيع الفروق التي تقوم عليها المسؤولية والمجتمع الذي يريد أن يتعلم يحتاج إلى وضوح في المحاسبة، وإلى فرصة حقيقية للتصحيح. بذلك يكتسب الانتماء إلى الأردن معناه العملي، فيظهر في حق نصونه، وضرر نرفعه وقرار نراجعه قبل أن تتسع عواقبه وراء كل خلل إنسان يدفع ثمنه وقد لا يملك صوتًا يصل إلينا.
ختامًا، تمهّل حين يزعجك من يكشف لك خطأ واسأل نفسك عما تدافع عنه في تلك اللحظة، حق يستحق الحماية، أم صورة تخشى أن تراها على حقيقتها؟