المياه في الأردن: هل ننتظر العطش حتى نتحرك؟

لم تعد أزمة المياه في الأردن ملفًا خدميًا يمكن تأجيله أو التعامل معه بردود فعل موسمية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة. فالأردن، بحكم الجغرافيا والسياسة، يعيش تحت ضغط مائي مزمن، ومع ذلك ما زلنا نتعامل مع المورد الأكثر حساسية وكأنه ملف اعتيادي

يصنّف الأردن ضمن أفقر دول العالم مائيًا، إذ يقل نصيب الفرد السنوي كثيرًا عن خط الفقر المائي العالمي. ووفق بيانات وزارة المياه والري الأردنية، فإن حصة الفرد تراجعت بشكل حاد خلال العقود الماضية نتيجة النمو السكاني والضغوط الإقليمية وثبات الموارد الطبيعية تقريبًا. هذه ليست أرقامًا تقنية، بل مؤشرات إنذار مبكر

المشكلة ليست في الشح الطبيعي وحده، بل في إدارة المورد. الفاقد المائي في الشبكات، والاعتداءات على الخطوط، وضعف المساءلة في بعض الملفات، كلها عوامل تجعل الأزمة أكثر تعقيدًا. فكيف نقنع المواطن بترشيد الاستهلاك إذا كان يرى هدرًا مؤسسيًا أو ضعفًا في تطبيق القانون؟

النبرة الصريحة تفرض القول إن ملف المياه يحتاج إلى قرار سياسي واضح لا يقبل التردد. فالمشاريع الاستراتيجية، مهما بلغت كلفتها، أقل ثمنًا من كلفة العطش. والعدالة في توزيع المياه بين المناطق، والشفافية في إدارة المشاريع، ومحاسبة أي تجاوزات، هي شروط لا غنى عنها لتعزيز الثقة

كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. فثقافة الاستهلاك لدى بعض القطاعات ما زالت بعيدة عن مفهوم الندرة. الري غير المنظم، والهدر المنزلي، وعدم الالتزام بأنظمة الحصاد المائي، كلها ممارسات تضاعف الأزمة. لكن الفرق الجوهري يبقى في القيادة والإدارة؛ إذ لا يمكن بناء ثقافة عامة دون نموذج رسمي صارم ومنضبط

المياه في الأردن ليست موردًا اقتصاديًا فقط، بل مسألة سيادة واستقرار. وفي منطقة تعيش توترات مستمرة، يصبح الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني

ختامًا، أخطر ما يمكن أن نفعله هو الاعتياد على الأزمة. فالعطش لا يمنح إنذارًا أخيرًا، بل يفرض واقعًا قاسيًا دفعة واحدة. وإذا لم نتعامل مع ملف المياه بعقلية الطوارئ الدائمة، وبقرارات حاسمة تسبق الكارثة لا تلاحقها، فإننا نخاطر بمستقبل الأجيال القادمة. المياه ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل حق وطني ومسؤولية سياسية، وأي تقصير في هذا الملف لن يُقرأ لاحقًا كخطأ إداري، بل كإهمال استراتيجي لا يُغتفر 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

التعليم في الأردن: أزمة خيارات أم أزمة قرار؟

Next
Next

قانون الجرائم الإلكترونية…حين يتحول القانون من حماية المجتمع إلى «بعبع» يومي للأردنيين