قانون الجرائم الإلكترونية…حين يتحول القانون من حماية المجتمع إلى «بعبع» يومي للأردنيين

لستُ محاميًا، ولا أكتب من موقع خبير قانوني، فأنا طيار متقاعد، ومواطن أردني أتابع ما يدور حولي، وأحاول – على قدر معرفتي وتجربتي. أنا أفهم وأناقش ما يشغل الناس في مجالسهم اليومية

ومن الصعب اليوم الجلوس في أي جلسة أردنية، أو متابعة أي نقاش على وسائل التواصل الاجتماعي، دون أن يطفو على السطح اسم قانون الجرائم الإلكترونية، القانون الذي تحوّل عند كثيرين إلى ما يشبه “البعبع”؛ كلمة تُقال فتُغلق بعدها الأحاديث، وتُحذف التعليقات، ويبدأ الخوف بدل النقاش.

هذا المقال ليس دفاعًا عن القانون، ولا هجومًا عليه، بل محاولة صادقة لتسليط الضوء على حسناته وسيئاته، كما يراها مواطن عادي يعيش أثره اليومي.

لماذا نحتاج هذا القانون؟

لا يمكن إنكار أن الجرائم الإلكترونية أصبحت واقعًا خطيرًا. الابتزاز، الاحتيال، انتحال الشخصية، اختراق الحسابات، وتشويه السمعة عبر الإنترنت، كلها جرائم حقيقية ألحقت أضرارًا جسيمة بأفراد وعائلات.

من هذه الزاوية، جاء قانون الجرائم الإلكترونية كحاجة فعلية:

لحماية الناس من المجرمين الرقميين ولتنظيم الفضاء الإلكتروني وللتأكيد أن الإنترنت ليس مساحة بلا ضوابط وهذه نقطة تُحسب للقانون ولا يجوز تجاهلها.

أين تكمن المشكلة؟

المشكلة لا تبدأ من وجود القانون، بل من اتساع بعض نصوصه وطريقة تطبيقه.

فعدد من المواد، خصوصًا تلك المتعلقة بالرأي والنشر، صيغت بعبارات عامة تحتمل أكثر من تفسير، ما جعل المواطن العادي في حيرة: هل ما أكتبه رأي؟

أم قد يُفسَّر لاحقًا كجريمة؟

وهنا تبدأ حالة الخوف.

«البعبع» الذي يسكن كل جلسة أردنية

اليوم، أصبح قانون الجرائم الإلكترونية حاضرًا في كل مجلس:

“احذف… هذا عليه قانون”

“لا تكتب… ممكن تتأذى”

“خلّيك ساكت أحسن”

وهكذا تحوّل القانون من وسيلة ردع للمجرمين إلى وسيلة تخويف غير مباشرة للمواطنين، حتى أولئك الذين لا نية لديهم للإساءة أو التحريض.

تجربة شخصية: حين يصبح الرأي طريقًا للمحاكم

وأكتب هذا الكلام من تجربة شخصية. فقد عانيت لأكثر من عام كامل في الذهاب والإياب إلى المحاكم، في قضية رأي، لم تكن إساءة ولا تشهيرًا ولا تحريضًا، بل تعبيرًا عن وجهة نظر.

عام كامل من:

وقت مستنزف

جهد نفسي وإحساس بأن الكلمة قد تتحول فجأة إلى تهمة وهنا السؤال الذي يفرض نفسه: هل الهدف من القانون حماية المجتمع، أم جعل المواطن يخاف من التعبير حتى عن رأيه؟

حرية التعبير… ليست فوضى

حرية التعبير لا تعني الإساءة، ولا تعني نشر الأكاذيب أو التحريض، وهذا أمر متفق عليه.

لكنها تعني أيضًا حق المواطن في:

النقد

السؤال

إبداء الرأي

وعندما لا يكون الخط الفاصل واضحًا، يصبح الخوف هو الحكم، لا العدالة.

العقوبة: هل السجن هو الحل دائمًا؟

من موقع مواطن لا قانوني، يبدو أن التوسع في العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والمحتوى يفتح بابًا للنقاش:

هل السجن يُصلح؟

أم أن الغرامة، والتنبيه، والتدرج في العقوبة أكثر إنصافًا وأقل ضررًا؟

القانون يجب أن يكون أداة إصلاح، لا مصدر رهبة.

الخلاصة

قانون الجرائم الإلكترونية قانون مهم وضروري في زمن خطير، لكنه ليس فوق النقد.

نجاحه لا يقاس بعدد القضايا، بل بقدرته على:

حماية الناس من الجرائم الحقيقية

دون تحويل الرأي إلى تهمة

ودون جعل الخوف سيد الموقف

إلى أن يتحقق هذا التوازن، سيبقى هذا القانون حاضرًا في كل جلسة أردنية،

لا كنص تشريعي فقط،

بل كـ «بعبع» يقيّد الكلمة، أكثر مما يردع الجريمة.

 

طيار أردني متقاعد عايش أثر قانون الجرائم الإلكترونية وتنقّل لأكثر من عام بين المحاكم في قضية رأي

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

المياه في الأردن: هل ننتظر العطش حتى نتحرك؟

Next
Next

Eid & the Arab Condition