تجربتي مع الخطوط السعودية
خاطرة صباحية
أحيانًا تأتي لحظات في حياة الإنسان تشبه فتح بابٍ جديد في طريق الحلم
حين قيل لي إنني ضمن المجموعة التي ستُرسل إلى جدة للتدريب على طائرة B747 مع الخطوط السعودية، أدركت أن الأمر لم يكن مجرد دورة تدريبية عادية، بل خطوة كبيرة في مسيرتي المهنية
لم يكن التحدي أن أصل إلى هناك فقط… بل أن أثبت أنني أستحق الثقة التي وُضعت فيّ، وأن أكون على قدر المسؤولية التي يحملها من يجلس في قمرة قيادة هذه الطائرة العملاقة
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أستعيد تلك المرحلة من حياتي، أرى أن رحلتي إلى جدة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال إلى مستوى جديد من المسؤولية والطموح. كنا مجموعة من ثمانية طيارين أُرسلنا للتدريب والعمل مع الخطوط الجوية السعودية على الطائرة الأسطورية بوينغ B747
فتحت الخطوط الجوية السعودية أمامي أبواب عالم واسع ومذهل. من خلالها أتيحت لي فرصة الطيران عبر القارات ورؤية أعظم مدن العالم. من واشنطن ونيويورك إلى قلب أوروبا، محلقًا فوق عواصمها التاريخية؛ من باريس إلى لندن، ومن فرانكفورت إلى روما، كانت كل رحلة مغامرة جديدة، وكل مطار محطة تضيف تجربة جديدة إلى حياتي
لم تقتصر الرحلات على الغرب فقط، بل امتدت إلى الشرق أيضًا. فقد حلّقت في سماء آسيا، واكتشفت جمال الشرق الأقصى وسحر جنوب شرق آسيا. كانت تلك الرحلات أشبه بكتاب مفتوح، أتعرف من خلاله على ثقافات مختلفة ومدن نابضة بالحياة، بينما تبقى السماء الرابط المشترك بين كل تلك الأماكن
لكن رغم كل تلك المدن، بقيت جدة مدينة لها مكانة خاصة في قلبي. منذ لحظة وصولنا، استقبلنا الشعب السعودي بكرم وحفاوة فاقت كل التوقعات. كانت جدة مدينة تنبض بالحياة والدفء والتنوع، وشعرت فيها وكأنني في بيتٍ ثانٍ بعيد عن الوطن
أكثر ما جعل تلك التجربة لا تُنسى هم الأشخاص الذين التقيت بهم هناك. زملاء ومدربون وأصدقاء أصبحوا كالعائلة. عاملونا بمحبة واحترام منذ اليوم الأول وحتى لحظة المغادرة. كان فريق الخطوط السعودية داعمًا بشكل استثنائي، وحرصوا على توفير كل ما نحتاجه للنجاح في عملنا. كما أدهشني مستوى التنظيم في إدارة عمليات الطيران لديهم، والذي كان يعكس احترافية عالية والتزامًا حقيقيًا بالتميز في عالم الطيران
خلال عملي معهم أدركت أنني لم أكن فقط أحلق في السماء، بل كنت أرتقي بأحلامي. كانت تلك التجربة مصدر فخر كبير لي، ليس فقط لأنني أطير على متن B747، بل لأنني أمثل شركة طيران عريقة تحمل تاريخًا كبيرًا في عالم الطيران
لكن كما يحدث في كثير من قصص الحياة، جاء منعطف غير متوقع غيّر كل شيء. عندما غزا صدام حسين الكويت، تغير المشهد السياسي في المنطقة بشكل مفاجئ، وطُلب منا مغادرة المملكة والعودة إلى الوطن. كان القرار صعبًا علينا جميعًا، كما كان صعبًا على زملائنا السعوديين. فقد ودعونا بحزن صادق، بعد أن ربطتنا بهم علاقة احترام وصداقة حقيقية
كانت تلك اللحظة نهاية فصل استثنائي من حياتي، فصل مليء بالتجارب العميقة والصداقات التي لا تُنسى. ستظل الأيام التي قضيتها في جدة والعمل مع هؤلاء الأشخاص الرائعين من أكثر اللحظات التي أعتز بها في مسيرتي المهنية
ورغم النهاية المفاجئة، لم تنطفئ شعلة الطموح داخلي. فكل تجربة، وكل تحدٍ، وكل ذكرى أصبحت وقودًا يدفعني إلى الأمام، لأواصل التحليق في سماء الطموح، وأكتب فصولًا جديدة في رحلتي
لقد أصبح الحلم الذي بدأ يومًا فكرة بعيدة
واقعًا أعيشه بإصرار وشغف،
ورحلة لا تزال تتجه دائمًا نحو آفاق أعلى