عودة إلى البدايات
خاطرة صباحية
في منتصف شهر يوليو من عام 1980، وصلتُ إلى مطار لوس أنجلوس الدولي في زيارة قصيرة استمرت أربعة أيام. كانت رحلة مختلفة عن كل رحلاتي السابقة، لأنها لم تكن مجرد سفر، بل عودة إلى المكان الذي بدأت فيه أولى خطواتي نحو السماء
استأجرت سيارة صغيرة وانطلقت جنوب المدينة في رحلة هادئة نحو أورنج كاونتي حتى وصلت إلى مدينة أنهايم. لم تكن لدي القدرة على الإقامة في الفنادق الفاخرة، لذلك اخترت موتيلًا بسيطًا من الدرجة الثالثة
لكن تلك الأيام الأربعة لم تكن مجرد إقامة عابرة
بل كانت عودة إلى البدايات،
إلى المكان الذي وُلد فيه حلم الطيران في داخلي
خاطرة مسائية
في هدوء المساء، حين أستعيد تلك الزيارة في منتصف يوليو عام 1980، أتذكر لحظة وصولي إلى مطار لوس أنجلوس الدولي. كانت زيارة قصيرة لا تتجاوز أربعة أيام، لكنها بدت لي كرحلة عبر الزمن أكثر من كونها رحلة عبر المسافات. فهذه المدينة كانت شاهدة على سنوات تعلمي الأولى، حين كنت طالبًا شابًا يحمل حلم الطيران أكثر مما يحمل الخبرة
بعد وصولي، استأجرت سيارة صغيرة وانطلقت جنوبًا عبر طرق أورنج كاونتي حتى وصلت إلى مدينة أنهايم. الطريق نفسه كان يوقظ في ذاكرتي صورًا قديمة من أيام الدراسة والتدريب. اخترت الإقامة في موتيل بسيط، لأن إمكانياتي لم تكن تسمح بأكثر من ذلك، لكن المكان لم يكن مهمًا بقدر ما كان الشعور بالعودة إلى تلك المرحلة من حياتي
في اليوم التالي توجهت إلى كلية الطيران التي تخرجت منها. ما إن وصلت حتى كان الاستقبال حارًا ومفاجئًا في الوقت نفسه. استقبلني اسكوت، رئيس المدربين، بابتسامة عريضة وكأنه يستقبل أحد أبنائه بعد غياب طويل. كان سعيدًا جدًا برؤيتي، خصوصًا بعدما علم أنني أصبحت طيارًا على طائرة بوينغ 727. شعرت في تلك اللحظة أن تلك الكلية لم تكن مجرد مكان للدراسة، بل كانت نقطة التحول الأولى في مسيرتي المهنية
وقفنا لالتقاط صورة جماعية، كنت فيها في المنتصف محاطًا باسكوت وبقية المدربين في الكلية. كانت لحظة مليئة بالمعاني بالنسبة لي؛ الطالب الذي كان يجلس يومًا في تلك القاعات عاد الآن كطيار محترف. لم تكن الصورة مجرد ذكرى، بل كانت لقاءً بين مرحلتين من حياتي
بعد ذلك اصطحبني اسكوت إلى قاعات الطلاب الجدد وقدمّني لهم. طلب مني أن أحكي قصتي منذ الأيام التي كنت فيها طالبًا متدربًا حتى أصبحت طيارًا في شركة طيران. كان الطلاب من دول متعددة — السعودية وليبيا وماليزيا والمغرب وتركيا — وكل واحد منهم يحمل حلمه الخاص بالتحليق. رأيت في أعينهم نفس الأسئلة التي كانت تسكنني يومًا: كيف تبدأ الرحلة؟ وهل يمكن للحلم أن يصبح حقيقة؟
عندما تحدثت إليهم، أدركت أن الطريق الذي قطعته لم يكن مجرد قصة شخصية، بل رسالة لكل من يجلس الآن في مقاعد الدراسة ويحلم بالسماء. فكل طيار يبدأ من هنا… من لحظة حلم، ومن سنوات صبر، ومن إيمان بأن الطريق الطويل يمكن أن يقود في النهاية إلى قمرة القيادة
وعندما غادرت الكلية في ذلك اليوم، شعرت أن تلك الزيارة القصيرة لم تكن مجرد رحلة إلى مدينة قديمة في حياتي، بل كانت لقاءً مع بداياتي
مع ذلك الشاب الذي وقف يومًا في نفس المكان،
يحلم بالسماء،
ولا يعرف بعد أن حلمه سيصبح يومًا حقيقة