كنتُ في إسرائيل ـ الجزء الثالث: ماذا لم يرَ إبراهيم عزت؟

ليس السؤال الحقيقي في هذا الجزء. ماذا رأى إبراهيم عزت في إسرائيل؟ فقد ناقشنا ذلك. وليس السؤال أيضًا. كيف كانت الدولة التي دخلها سنة 1956؟ فذلك تناولناه من قبل. السؤال الذي يستحق أن نقف أمامه الآن هو أشد إزعاجًا وأقرب إلينا. ماذا لم يرَ إبراهيم عزت، وماذا لم نرَ نحن حتى بعد أن أصبحت أمامنا سبعون سنة من الوقائع والكتب والهزائم والتجارب؟ كان الرجل زائرًا لأيام، ومن الظلم أن نطالبه بأن يرى مستقبلًا لم يقع بعد. لكنه عاد وكتب ووضع ما رآه وما سمعه بين دفتي كتاب وترك للقارئ العربي مادةً كان يمكن أن تكون بداية سؤال طويل. ومن هنا لا تعود المسؤولية مسؤولية الكاتب وحده، بل مسؤولية القارئ الذي جاء بعده. وهنا تبدأ المأساة العربية من مكان لا نتحدث عنه بما يكفي. نحن لا نعاني فقط من نقص المعلومات، بل من أزمة في علاقتنا بالمعرفة نفسها. تصل إلينا المعلومة، فلا نقرأها. نقرأها فلا نناقشها. نناقشها فلا نحولها إلى قرار. ثم تقع الكارثة فنعود إلى الكتب لنبحث فيها عن تفسير لما كان يمكن أن نراه قبل وقوعه، كأن المعرفة عندنا كثيرًا ما تأتي متأخرة، لا لأنها تأخرت، بل لأننا نحن تأخرنا في الإصغاء إليها

لقد علّمتنا تجارب القرن العشرين أن الأمة قد تمتلك الجامعات والصحف والكتب والخبراء ومع ذلك تخسر لأن وجود المعرفة شيء ودخولها إلى العقل السياسي والاجتماعي شيء آخر. قد يكون الكتاب موجودًا على الرف ولا يكون موجودًا في الوعي وقد تكون الدراسة منشورة ولا تصل إلى صاحب القرار وقد يكتب الباحث عشرات الصفحات ثم تهزمها جملة خطابية واحدة لأنها أكثر قدرة على إثارة الجماهير. وهنا ينبغي أن نتوقف، فالحضارات لا تنهزم حين يقل عدد كتبها فقط، بل حين يصبح الصوت أعلى من الفكرة والانفعال أسرع من التحليل واليقين أسهل من السؤال. ربما كان إبراهيم عزت يظن أن نشر ما رآه يكفي لكي تُفتح الأعين، لكن التاريخ علّمنا أن الحقيقة المكتوبة لا تُغيّر مجتمعًا لا يريد أن يقرأها. وهذا هو الجانب الذي لم يكن الرجل يستطيع أن يراه آنذاك. أن الكتاب قد يصل إلى المكتبة لكنه لا يصل بالضرورة إلى العقل، وأن الأمة يمكن أن تمتلك التحذير ثم تسير إلى الخطأ بكامل إرادتها

وهنا تصبح القضية فلسفية أكثر منها سياسية. ما قيمة الحقيقة إذا كان الإنسان لا يريدها ؟ وما قيمة الكتاب إذا كان القارئ يبحث فيه فقط عما يؤكد رأيه ؟ وما قيمة المعرفة إذا دخلنا إليها بأجوبة جاهزة بدل أن ندخلها بأسئلة مفتوحة؟ ربما كان أخطر مرض أصاب جزءًا من العقل العربي الحديث هو أنه لم يعد يقرأ ليكتشف، بل ليؤكد، من كان مع الفكرة قرأ ما يثبتها، ومن كان ضدها قرأ ما يهدمها، أما أن يفتح الإنسان كتابًا وهو مستعد لأن يخرج منه وقد تغير شيء في داخله فذلك أصعب بكثير. فالقراءة الحقيقية ليست أن تنتقل الكلمات من الصفحة إلى العين، بل أن تسمح للكلمات بأن تهز يقينك وأن تجبرك على مراجعة ما كنت تظنه حقيقة وأن تخرج من الكتاب أقل اطمئنانًا، ولكن أكثر فهمًا

نحن نحب الكتب التي توافقنا، ونصفق للكاتب حين يقول ما نقوله، ونغضب منه حين يضع المرآة أمامنا. ولهذا كثيرًا ما تحولت الثقافة عندنا من أداة نقد إلى وسيلة تزيين. نحتفل بالكتاب أكثر مما نقرأه، ونكرم المؤلف أكثر مما نناقش فكرته، ونملأ المكتبات بالعناوين ثم نترك الأسئلة الكبرى خارج أبوابها. وكأن الكتاب عندنا أحيانًا أثاث ثقافي لا سلاحًا معرفيًا. وهذا هو الفشل الذي يستحق أن نتحدث عنه. ليست المشكلة أن الآخر يقرأنا، المشكلة أننا لا نقرأ أنفسنا. لا نقرأ أسباب التأخر بجرأة كافية ولا نقرأ أخطاء السياسة إلا بعد أن تصبح تاريخًا، ولا نقرأ تجارب التعليم إلا حين نكتشف أن أجيالًا كاملة حفظت ولم تتعلم كيف تفكر، ولا نقرأ الإدارة إلا حين يتحول العجز إلى أزمة، ولا نقرأ مجتمعاتنا إلا حين تنفجر التناقضات التي كنا نعرف أنها موجودة

إن الأمة التي لا تقرأ نفسها تعيش في مفاجأة دائمة. تفاجئها الهزيمة وتفاجئها الأزمة وتفاجئها البطالة وتفاجئها الهجرة وتفاجئها تحولات العالم، مع أن مقدمات كل ذلك كانت موجودة منذ سنوات. ولكننا كنا نرى العلامات ولا نقرأها. وهذا هو الفرق بين النظر والقراءة. كل إنسان يرى، لكن ليس كل إنسان يقرأ ما وراء ما يرى. وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لسؤال. ماذا لم يرَ إبراهيم عزت ؟ ربما الأصح أن نقول. ماذا رأى هو، ثم لم نقرأ نحن دلالته ؟ فالكاتب يمكن أن يفتح النافذة، لكنه لا يستطيع أن يجبر أمةً كاملة على النظر منها. يمكنه أن يكتب، لكنه لا يستطيع أن يمنع القارئ من أن يغلق الكتاب. يمكنه أن يضع سؤالًا، لكنه لا يضمن أن المجتمع سيملك الشجاعة ليبحث عن جوابه

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات ألمًا في تاريخنا الثقافي. نحن أبناء حضارة كان فعلها الأول مرتبطًا بكلمة. اقرأ، لكننا في عصر انفجار المعرفة أصبحنا أكثر عرضة للاكتفاء بالعناوين. نريد التاريخ مختصرًا، والسياسة في منشور، والاقتصاد في جملة، والفلسفة في اقتباس، والحقيقة في صورة تمر أمامنا على شاشة ثم تختفي. لكن العقل لا يُبنى بهذه السرعة. الوعي يحتاج زمنًا والمعرفة تحتاج صبرًا والحقيقة كثيرًا ما تختبئ في الصفحة التي يريد القارئ المستعجل أن يتجاوزها. إن الشعوب التي تقرأ لا تصبح معصومة من الخطأ، لكنها تملك قدرة أكبر على اكتشاف خطئها، أما الشعوب التي تهجر القراءة فإنها تصبح فريسة سهلة للرواية الأكثر صخبًا. ويكفي أن يتحدث أحدهم بثقة حتى يبدو كلامه حقيقة، ويكفي أن تتكرر الجملة حتى تتحول إلى يقين. وهكذا تنتصر الدعاية، لا لأنها قوية، بل لأن العقل الذي يستقبلها لم يتدرب على المقاومة

القراءة في جوهرها مقاومة، مقاومة للتبسيط ومقاومة للخداع ومقاومة للذاكرة الانتقائية ومقاومة لمن يريد أن يفكر نيابة عنك. ولهذا فإن المجتمع الذي يضعف فيه الكتاب يزداد فيه نفوذ من يصنعون الأجوبة الجاهزة. وهذا أخطر من الجهل البسيط، فالجاهل قد يعرف أنه لا يعرف، أما الذي يكتفي بخطاب واحد، ومصدر واحد ورواية واحدة فقد يظن نفسه عالمًا وهو لا يرى إلا جزءًا ضيقًا من الحقيقة. وهنا يقع الفشل الحضاري. ليس الفشل في أن نخطئ، فكل الأمم تخطئ، بل الفشل أن نكرر الخطأ لأننا لم نقرأه حين أصبح تجربة، وأن ندفع الثمن ثم لا نستخلص الحكمة، وأن نحول التاريخ إلى مناسبات للذكرى بدل أن نحوله إلى مختبر للفهم، وأن نبكي على النتائج ولا ندرس المقدمات

لقد مرت الأمة العربية خلال العقود التالية لكتاب إبراهيم عزت بأحداث كان يكفي كل واحد منها أن يفتح مراجعة كبرى، لكن المراجعات غالبًا بقيت جزئية. نغير الأشخاص ونترك العقلية ونغير الشعار ونحتفظ بطريقة التفكير نفسها، ونكتب تقارير عن الفشل ثم نضعها في الأدراج ونؤسس لجانًا ثم ننسى توصياتها. وهكذا يتحول التاريخ إلى دائرة، نخرج من أزمة لنستعد لأزمة أخرى بالطريقة نفسها التي أوصلتنا إلى الأولى. وهنا تظهر الحكمة القاسية. الأمم لا تتقدم لأنها تعرف أخطاءها، بل لأنها تغيّر سلوكها بعد أن تعرفها. المعرفة التي لا تغيّر القرار تصبح أرشيفًا، والتاريخ الذي لا يغيّر العقل يصبح حكاية، والكتاب الذي لا يوقظ سؤالًا يصبح ورقًا

لهذا لا أريد أن أقرأ "كنت في إسرائيل" اليوم باعتباره كتابًا عن بلد آخر، بل باعتباره اختبارًا لنا. ماذا نفعل حين يصل إلينا كتاب يخالف ما نريد أن نسمعه ؟ هل نقرأه ؟ هل نناقشه ؟ هل نرد عليه بكتاب ؟ هل نبحث عن الوثيقة ؟ هل نقارن الروايات ؟ أم نكتفي بأن نرفضه أو نصفق له ثم نمضي ؟ الأمة الحية لا تخاف من الكتب المزعجة، بل تحتاج إليها. فالكتاب الذي يريحك قد يمنحك الطمأنينة، أما الكتاب الذي يزعجك فقد يمنحك فرصة للفهم. وفي تاريخ الأمم، الفهم أثمن من الطمأنينة

ربما كان إبراهيم عزت يرى أمامه مجتمعًا ويسجل ملاحظاته، لكنه لم يكن يستطيع أن يرى كيف ستتعامل الأجيال العربية اللاحقة مع المعرفة. لم يكن يستطيع أن يعرف أننا سنصل إلى زمن أصبحت فيه الوثائق متاحة بضغطة زر ومع ذلك يستطيع الإنسان أن يعيش داخل فقاعة من المعلومات التي اختارها بنفسه. لم يكن يستطيع أن يتخيل عالمًا لا تعاني فيه البشرية من ندرة المعلومة، بل من فيضانها. لكن المأساة أن كثرة المعلومات لم تجعلنا أكثر حكمة بالضرورة، بل ربما جعلت الاختيار أصعب. وهنا أصبحت القراءة أعمق من فتح كتاب، القراءة اليوم تعني أن تعرف المصدر، وأن تفرّق بين الخبر والرأي وبين الوثيقة والدعاية وبين الباحث والواعظ وبين الحقيقة والرغبة وبين ما حدث فعلًا وما نريد نحن أن يكون قد حدث

وهذا ما تحتاجه الأمة أكثر من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تعد أن الكتاب غير موجود، بل أن العقل القارئ أصبح مهددًا. وإذا فقدت الأمة عقلها القارئ، فلن تنقذها كثرة الجامعات ولا عدد الشهادات. فالشهادة قد تمنح صاحبها مهنة، أما القراءة فتعطيه عقلًا. والمهنة قد تبني حياة فرد، أما العقل القارئ فيبني مجتمعًا. وهنا يجب أن يكون نقدنا لأنفسنا أشد من نقدنا للآخر. فمن السهل أن نقول إن خصمنا خطط وقرأ ودرس، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا فعل هو، بل لماذا لم نفعل نحن ما نعرف أنه واجب ؟ لماذا نعرف قيمة التعليم ثم نهمله ؟ نعرف قيمة البحث ثم نضعف تمويله ؟ نعرف قيمة الكفاءة ثم تسمح مجتمعاتنا أحيانًا للمحسوبية بأن تتقدم عليها  ؟ نعرف أن العالم تغير، ثم ندرس بعض قضايانا بعقلية لم تعد تكفي لفهمه؟

هذه الأسئلة ليست إدانة للأمة، بل محاولة لإنقاذها من الراحة الكاذبة. فالأمة التي لا تنتقد نفسها يكتب نقدها خصومها، والأمة التي لا تعترف بضعفها تترك ضعفها ينمو في الظلام والأمة التي لا تقرأ أخطاءها محكوم عليها أن تدفع ثمنها أكثر من مرة. لذلك فإن السؤال الأخير في هذا الجزء لا يتعلق بإبراهيم عزت. الرجل فعل ما استطاع في زمنه، كتب ما رأى، ترك كتابه، ورحل. أما السؤال الذي بقي لنا فهو. ماذا فعلنا نحن بما كُتب ؟ كم كتابًا مرّ أمامنا وكان يحمل إنذارًا فلم نقرأه ؟ كم مفكرًا حذّر فلم نسمعه ؟ كم دراسة أُنجزت ثم ماتت في درج ؟ وكم كارثة احتاجت أن تقع لكي نصدق ما كان معروفًا قبل وقوعها؟

ربما تكون أكبر مأساة للأمة العربية ليست أنها لم تعرف، بل أنها عرفت أحيانًا، ولم تحوّل المعرفة إلى إرادة. وهنا يصبح عنوان "ماذا لم يرَ إبراهيم عزت؟" أقل أهمية من عنوان آخر أكثر قسوة. ماذا لم نرد نحن أن نرى ؟ فالرجل كان محدودًا بأيام رحلته، أما نحن فلدينا سبعون عامًا من التاريخ. هو كان أمام نافذة واحدة، ونحن أمام مكتبات كاملة. هو كان يبحث عن معلومة، ونحن نعيش في زمن تكاد المعلومة تطاردنا. فإن بقينا بعد كل ذلك أسرى للشعار، فلا يمكن أن نلوم نقص المعرفة، بل علينا أن نلوم علاقتنا بها

وتلك هي الموعظة. الأمة التي لا تقرأ لا تفقد الكتب فقط، تفقد قدرتها على رؤية الخطر قبل أن يصبح قدرًا. والحكمة الأشد مرارة. قد تكون الحقيقة مكتوبة أمامك، لكن الصفحة لا تنقذ من يرفض أن يفتح الكتاب

Previous
Previous

من يملك الحقيقة في السماء؟

Next
Next

كنتُ في إسرائيل ـ الجزء الثاني: حين دخل الرجل إلى الداخل فرأى ما وراء الشعارات