كنتُ في إسرائيل ـ الجزء الثاني: حين دخل الرجل إلى الداخل فرأى ما وراء الشعارات

في الجزء الأول من قراءتنا لكتاب إبراهيم عزت "كنت في إسرائيل" وقفنا أمام السؤال الأكبر. كيف يمكن لأمة أن تواجه خصمًا لا تعرف عنه إلا ما تقوله خطبها ؟ أما في هذا الجزء، فإننا ندخل مع الكاتب إلى التفاصيل، لا لنعيد رواية رحلته فحسب، بل لننظر إلى الأشياء التي رآها بعين الفلسفة. الناس والسلطة والجيش والتنظيم والخوف والدعاية والسلام ثم نسأل في نهاية كل مشهد. ما الذي كان يقوله لنا دون أن يقوله صراحة؟

دخل إبراهيم عزت إسرائيل في أبريل/نيسان 1956، قبل أن تبلغ الدولة الإسرائيلية عامها الثامن. انطلقت رحلته من لندن، ودخل بهوية صحفي برازيلي من أصل عربي باسم "جورج إبراهيم حبيب". كانت المغامرة في ظاهرها صحفية، ولكنها في معناها الأعمق كانت محاولة لكسر حاجز نفسي. أن يتحول "العدو" من كلمة مجردة إلى مجتمع يمكن مشاهدته ودراسته وفهم آليات عمله. وتذكر المصادر التي تناولت الكتاب أن السلطات الإسرائيلية اكتشفت هويته المصرية، ومع ذلك سُمح له بمتابعة زيارته، وعيّنت وزارة الخارجية مرافقًا ومرشدًا ومترجمًا له

وهنا تظهر الموعظة الأولى. ما نراه ليس دائمًا ما يُسمح لنا برؤيته

فالكاتب دخل ليكتشف إسرائيل، لكن إسرائيل كانت تعرف أيضًا أن رجلًا غريبًا جاء ليكتشفها. والمرافق الذي يسهل لك الطريق قد يكون هو نفسه من يرسم حدود الصورة التي ستعود بها. وهذه قاعدة تتجاوز الصحافة والسياسة. حين يعرض عليك الآخر نفسه، اسأل دائمًا عما اختار أن يخفيه، لا عما اختار أن يريك إياه فقط

إن الحقيقة السياسية ليست واجهة مدينة، ولا مكتب مسؤول، ولا حديثًا معدًا لصحفي. الحقيقة غالبًا تسكن خلف المشهد. في القرار الذي لم يُشرح، وفي المؤسسة التي لا تظهر للزائر، وفي الإنسان الذي لم يُسمح له بالكلام

ومع ذلك لم يبق إبراهيم عزت حبيس الفنادق والمكاتب. تحدث مع الناس، وسأل السياسيين، وحاول أن يرى المجتمع وهو يتحرك. وكان واعيًا لمشكلة موضوعيته، فهو، بحسب ما نقله عنه باحثون اطلعوا على الكتاب، أراد تقديم "صورة صادقة واضحة عن إسرائيل"، لكنه أقر بأن ما كتبه متأثر بشعوره كمصري وعربي، وأكد رفضه أن يتعامل العرب مع الواقع بمنطق إخفاء الرأس في الرمال

ولعل هذه الجملة هي مفتاح الكتاب كله. فالكاتب لم يقل سأنسى من أنا لكي أفهمهم. بل قال، بمعنى تجربته سأعرف من أنا، ثم أحاول رغم ذلك أن أرى

وهذا فرق جوهري. فالحياد الكامل قد يكون وهمًا، لكن الأمانة ممكنة. يستطيع الإنسان أن يحب وطنه، وأن يكون منحازًا لقضيته، وأن يرى في الوقت نفسه أخطاء وطنه ونقاط قوة خصمه. بل إن الوطنية التي تخشى الحقيقة وطنية هشة، لأنها لا تريد حماية الوطن بقدر ما تريد حماية الصورة التي رسمتها عنه

ومن الشخصيات التي التقاها إبراهيم عزت خلال الرحلة ديفيد بن غوريون، وموشيه شاريت، وغولدا مائير، وإيجال يادين. وهذه ليست أسماء عابرة، إنها تمثل، كل بطريقته، مستويات مختلفة من بناء الدولة الإسرائيلية المبكرة. السياسة والدبلوماسية والتنظيم والعسكر

والفلسفة هنا لا تكمن في الأشخاص، بل في فكرة المؤسسة. فالكاتب لم يدخل إلى مجتمع يعيش فقط على الحماسة الأيديولوجية. كان يرى دولة جديدة تحاول أن تحوّل الفكرة إلى جهاز والجهاز إلى إدارة والإدارة إلى قوة تستمر بعد رحيل الأشخاص

وهنا تأتي الموعظة الثانية. الأفكار تصنع الثورات ولكن المؤسسات هي التي تصنع الدول. قد يستطيع قائد أن يحشد جمهورًا، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني دولة تدوم. فالدولة الحقيقية تبدأ عندما يصبح هناك نظام قادر على العمل حتى في غياب صاحبه، وحين تصبح الوظيفة أقوى من اسم من يشغلها

وقد لفت إبراهيم عزت إلى مكانة "الهستدروت"، الاتحاد العام للعمال ووصف مقدار نفوذه في المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي آنذاك. وبصرف النظر عن المبالغات التي قد تحملها عين الزائر أو خطاب ذلك الزمن فإن الملاحظة تكشف أنه كان يبحث عن البنية التي تحمل المجتمع لا عن الوجوه السياسية فقط

وهنا تتولد الموعظة الثالثة. الأمم لا تتماسك بالخطب وحدها، بل بالشبكات التي تربط الإنسان بالدولة وبالاقتصاد وبالمجتمع. حين يكون للعامل مؤسسة وللمزارع مؤسسة وللطالب مؤسسة وللجيش مؤسسة وللمعرفة مؤسسة يصبح المجتمع أكثر من أفراد متجاورين، يصبح بنية تستطيع إعادة إنتاج نفسها

أما المجتمع الذي ينتظر دائمًا "الرجل المنقذ"، فإنه يبقى قويًا ما دام الرجل موجودًا، ثم يكتشف بعد غيابه أنه لم يبنِ شيئًا يمكن أن يعيش من دونه. وفي ملاحظاته العسكرية سجّل عزت تقديرات كانت متداولة حينها عن التفوق العددي لسلاح الجو المصري مقارنة بالإسرائيلي، لكنه كان ينظر في الوقت نفسه إلى الكيفية التي يفكر بها الإسرائيليون في الخطر العربي وفي مصر تحديدًا. وبحسب ما نقله الكتاب، كانت مصر تُرى في ذلك الوقت باعتبارها القوة العربية المركزية التي يمكن أن يغيّر موقفها ميزان المنطقة

وهنا واحدة من أخطر دروس الكتاب. القوة التي تُحصى بالأرقام ليست بالضرورة هي القوة التي تنتصر. قد تمتلك دولة عددًا أكبر من الطائرات، وعددًا أكبر من الجنود ومساحة أوسع وسكانًا أكثر لكن الحرب لا تسأل فقط. كم لديك؟

إنها تسأل. كيف تدير ما لديك ؟ كيف تتدرب ؟ كيف تتخذ القرار ؟ ما سرعة انتقال المعلومة ؟ هل يستطيع الضابط أن يخبر قائده بالحقيقة ؟ هل تتعلم المؤسسة من أخطائها ؟ وهل يعرف الجندي لماذا يقاتل وما المطلوب منه ؟

وهنا يبدو الكتاب، حين نقرأه بعد 1967، أكثر إيلامًا. فإذا كان العرب قبل الحرب يطمئنون إلى الأرقام، فإن حزيران 1967 كشف أن الأرقام وحدها لا تحمي السماء. وهذه هي الموعظة الرابعة. لا تقِس قوتك بما تملك، بل بما تستطيع فعله بما تملك

وقد وجد الكاتب في أحاديثه داخل إسرائيل رغبة معلنة لدى بعض من قابلهم في الوصول إلى تسوية مع العرب، وسمع كلامًا متكررًا عن أن السلام مع مصر سيكون مفتاحًا لتغيير العلاقة مع المنطقة

لكن القراءة الفلسفية تقتضي أن نتوقف هنا بحذر شديد. فالسلام في السياسة ليس كلمة بريئة بالضرورة. كل طرف قد يقصد به شيئًا مختلفًا. وقد يدعو الطرف إلى السلام وهو يريد تثبيت الواقع القائم، بينما يرى الطرف الآخر السلام استعادةً لحق سُلب منه

لذلك فالموعظة ليست أن نصدق كل من قال "السلام"، ولا أن نرفض الكلمة لمجرد أن خصمنا نطق بها

الموعظة هي: اسأل عن معنى الكلمة قبل أن تحاكم الكلمة

السلام لمن؟ وعلى أي أرض ؟ وبأي حقوق ؟ وبأي ميزان قوة ؟

وماذا يحدث للإنسان الفلسطيني الذي أصبحت أرضه وبيته وذاكرته جزءًا من أصل الصراع ؟

وهنا يجب ألا نسمح لإعجابنا بجرأة إبراهيم عزت الصحفية أن يجعلنا ننسى أن الرحلة جرت بعد أقل من ثماني سنوات على نكبة 1948. فخلف الدولة التي كان الكاتب يدرس مؤسساتها، كان هناك شعب فلسطيني اقتُلع قسم كبير منه من أرضه، وقرى اختفت، ولاجئون حملوا مفاتيح البيوت ولم يحملوا البيوت

وهذه نقطة فلسفية ضرورية في قراءة الكتاب اليوم. قد تنجح الدولة في بناء مؤسسات قوية، لكن قوة المؤسسة لا تجيب وحدها عن السؤال الأخلاقي المتعلق بالعدالة. فالفعالية ليست مرادفًا للحق. والقدرة ليست دليلًا على العدالة. ويمكن للإنسان أن يدرس كيف نجح خصمه في التنظيم وأن يستفيد من الدر دون أن يمنحه بذلك براءة تاريخية أو أخلاقية

ولعل أعظم قيمة في رحلة إبراهيم عزت أنه فعل شيئًا نفتقده كثيرًا في صراعاتنا. ذهب ليرى. بين أن تسمع عن مجتمع وأن تدخل إليه مسافة فكرية شاسعة. بين أن تقول "هم" وأن تبدأ في معرفة من هم وكيف يفكرون وأين يختلفون وأين يتفقون وما الذي يخيفهم وما الذي يمنحهم الثقة مسافة أخرى

فالخصم حين يبقى بلا وجه يصبح أسطورة والأسطورة خطرة سواء جعلناه شيطانًا مطلقًا أو قوة لا تُقهر

أما المعرفة فتُنزله من الأسطورة إلى الواقع. وحين يصبح واقعيًا يمكن تحليله. وحين يمكن تحليله، يمكن فهم نقاط القوة ونقاط الضعف معًا

ومن هنا تأتي الموعظة الخامسة. لا تحول خصمك إلى وحش في خيالك، فالوحش لا تستطيع فهمه أما الإنسان والمؤسسة والدولة فيمكن دراستها. وهذا لا يعني أن نتجاهل الجرائم أو الاحتلال أو الصراع، بل يعني ألا نجعل الغضب بديلًا عن المعرفة

فالسياسة لا تُدار بالأخلاق وحدها، كما أنها لا تستحق أن تُدار بلا أخلاق. وبين الاثنين توجد تلك المساحة الصعبة التي تسمى الحكمة. ومن أغرب المفارقات أن إبراهيم عزت قام برحلته سنة 1956، ثم صدر كتابه سنة 1957 أي أن النص كان موجودًا في المجال العربي قبل هزيمة يونيو 1967 بنحو عقد. والكتاب موثق في فهارس المكتبات بطبعته البيروتية الصادرة عن المكتب التجاري، في 129 صفحة

وهنا يأتي السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: هل كانت المعلومات موجودة ولم نقرأها، أم قرأناها ولم نرد أن نفهم ما تعنيه؟ والفرق كبير. فالأمم لا تفشل دائمًا بسبب غياب المعلومات. أحيانًا تمتلك المعلومات كلها، لكنها تختار تلك التي تؤكد ما تريد أن تؤمن به

إذا جاء تقرير يقول إننا أقوياء، احتفينا به. وإذا جاء تقرير يحذر من ضعفنا، اتهمنا صاحبه بالتشاؤم وإذا قال شخص إن للخصم نقطة قوة، أصبح مشبوهًا. وبهذه الطريقة لا نقتل الناقد، بل نقتل جهاز الإنذار في الدولة

وهذه هي الموعظة السادسة والأهم. الأمة التي تعاقب من يخبرها بالحقيقة تربي حولها جيشًا من الكاذبين. ولذلك لا أقرأ "كنت في إسرائيل" باعتباره كتابًا عن إسرائيل وحدها. أراه كتابًا عن الرؤية. عن الفرق بين العين التي تبحث عن الحقيقة والعين التي تبحث عن تأكيد ما تعرفه مسبقًا. وعن الفرق بين وطنية تحب وطنها إلى درجة أنها تكذب عليه ووطنية تحبه إلى درجة أنها تجرؤ على إخباره بمواضع ضعفه

وبعد سبعين عامًا تقريبًا من تلك الرحلة يبدو السؤال أكثر إلحاحًا. كم مرة في تاريخنا العربي هُزمنا لأننا لم نكن نعرف؟ وكم مرة كنا نعرف، لكننا لم نرد أن نصدق؟ وكم مرة حوّلنا النقد إلى خيانة والتحذير إلى تشاؤم والاختلاف إلى مؤامرة؟

إن أعظم حكمة يمكن أن نبنيها من كتاب إبراهيم عزت ليست أن نقلد إسرائيل، ولا أن نعجب بها، ولا أن نقبل روايتها لنفسها. الحكمة أبسط وأصعب من ذلك. اعرف خصمك بلا كراهية تعميك، واعرف نفسك بلا غرور يخدعك. خذ من خصمك معرفةً لا نموذجًا. ومن نجاحه سؤالًا لا إعجابًا. ومن خطئه تحذيرًا لا شماتة. ومن تاريخك مسؤولية لا نشيدًا

فالعدو الذي تعرفه تستطيع أن تستعد له، أما الوهم الذي تصنعه عن عدوك فقد يصبح شريكًا في هزيمتك. لكن يبقى درس أخير، وربما هو الأهم

معرفة الآخر لا تكفي. يمكننا أن نقرأ آلاف الكتب عن إسرائيل، وعن جيشها ومؤسساتها واقتصادها ومجتمعها، ولا نتقدم خطوة واحدة إذا لم نسأل في الوقت نفسه

ماذا عن مدارسنا ؟ ماذا عن جامعاتنا ؟ ماذا عن البحث العلمي ؟ ماذا عن اختيار أصحاب الكفاءة ؟ ماذا عن مؤسساتنا ؟ ماذا عن قدرتنا على سماع الرأي الذي لا يعجبنا ؟

وماذا عن الإنسان العربي نفسه، هل بنينا له دولة يشعر أنه شريك فيها، أم نطالبه فقط بأن يدافع عنها حين يأتي الخطر؟ هنا يتحول كتاب "كنت في إسرائيل" من رحلة إلى مرآة. والمرآة لا تقول للإنسان كيف يبدو الآخر. إنها تقول له أولًا: انظر إلى نفسك

فقد تبدأ الحكمة بمعرفة الخصم، لكنها لا تكتمل إلا حين نملك الشجاعة لمعرفة أنفسنا. ولهذا ربما كان السؤال الذي ينبغي أن نختم به هذا الجزء ليس: ماذا رأى إبراهيم عزت في إسرائيل ؟

بل: ماذا رأى هناك وكان يجب أن يجعلنا نعيد النظر في أنفسنا ؟ فالأمة التي تعرف عدوها قد تحسن الاستعداد للحرب، أما الأمة التي تعرف نفسها فتحسن اختيار الحرب والسلام معًا. وتلك في تقديري هي الموعظة التي بقيت حية بعد أن شاخت صفحات الكتاب. لا تخشَ الحقيقة لأن خصمك يستفيد منها، اخشَ أن يعرفها خصمك بينما ترفض أنت أن تراها

Previous
Previous

كنتُ في إسرائيل ـ الجزء الثالث: ماذا لم يرَ إبراهيم عزت؟

Next
Next

كنتُ في إسرائيل… كتابٌ صدر قبل الهزيمة بعشر سنوات