كنتُ في إسرائيل… كتابٌ صدر قبل الهزيمة بعشر سنوات
ثمة كتب نقرؤها بعد أن تقع الكارثة فنكتشف أنها كانت تصف مقدماتها قبل أن نراها. وكتاب إبراهيم عزت "كنت في إسرائيل" من هذا النوع، فهو لم يكن مجرد سرد لرحلة صحفي مصري دخل إسرائيل سنة 1956، بل كان في جوهره محاولة مبكرة لرؤية الخصم كما هو لا كما نحب أن نتخيله، صدر الكتاب سنة 1957 في بيروت بعد أن أمضى صاحبه أيامًا داخل إسرائيل والتقى شخصيات سياسية وعسكرية بارزة محاولًا تقديم صورة مباشرة عن مجتمع كان العالم العربي آنذاك يعرف عنه كثيرًا من الشعارات وقليلًا من التفاصيل
وهنا تبدأ فلسفة الكتاب. فأخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن يكون عدوها قويًا وإنما أن تقرر هي أنه ضعيف لمجرد أنها تريد أن يكون كذلك، عندئذ لا تعود المشكلة في قوة الخصم، بل في المرآة التي ننظر من خلالها إليه
دخل إبراهيم عزت إسرائيل باسم وهوية مستعارة لكنه لم يدخلها بعقل مستعار، حمل معه انتماءه المصري والعربي واعترف بأن مشاعره تؤثر في نظرته ومع ذلك حاول أن يرى ويسمع ويسأل، وهذه ربما أهم فضيلة في الكتاب، أن الإنسان يستطيع أن يكون صاحب قضية من دون أن يسمح لقضيته بأن تحرمه من رؤية الحقيقة
فالمعرفة لا تعني الإعجاب والفهم لا يعني المصالحة، والاعتراف بأن للخصم عناصر قوة لا يعني التسليم له. بل العكس لا يمكن مقاومة شيء لا نفهمه
ولو قرأنا الكتاب من موقعنا اليوم، فإن السؤال المؤلم ليس ماذا رأى إبراهيم عزت في إسرائيل؟ بل ماذا كان علينا نحن أن نرى في أنفسنا؟
بعد أحد عشر عامًا تقريبًا جاءت هزيمة يونيو 1967، وكانت الصدمة أكبر من مجرد خسارة عسكرية، فقد انهارت معها صورة كاملة كان جزء من الخطاب العربي قد بناها عن ذاته وعن عدوه، وحين انهارت الصورة اكتشف الشعوب العربية أن الحقيقة كانت أشد قسوة من الكلمات
ومن هنا يمكن أن نقرأ "كنت في إسرائيل" بوصفه كتابًا عن خطر الوهم السياسي
فالدولة التي تصنع لنفسها رواية أجمل من واقعها ثم تصدق هذه الرواية، تبدأ هزيمتها قبل أن تدخل الحرب، والجيوش لا تنتصر بالخطب والمجتمعات لا تتقدم بتكرار أمجادها، والأوطان لا تصبح أقوى لأن إعلامها يقول إنها قوية
الحقيقة لا تخضع للتصويت، قد نرفضها، لكنها تبقى، وقد نكره من يحملها إلينا، لكنها لا تتغير
وأصعب أشكال الشجاعة ليست أن يقف الإنسان في وجه خصمه بل أن يقف أمام نفسه ويسأل، أين أخطأت؟
لهذا لا ينبغي أن يُقرأ كتاب إبراهيم عزت باعتباره حكاية قديمة من خمسينيات القرن الماضي، بل باعتباره درسًا يتجدد كلما دخلت أمة في صراع وهي تعرف عن نفسها أقل مما تعتقد وعن خصمها أقل مما ينبغي
فالحروب لا تبدأ على الحدود وحدها، قد تبدأ في العقل والهزيمة كذلك لا تبدأ حين تتراجع الدبابات، بل ربما تبدأ في اللحظة التي تصبح فيها المعلومة المزعجة خيانة، والنقد إساءة، والسؤال جريمة، والتفكير خارج الخطاب السائد خروجًا على الجماعة. ولعل الدرس الأكبر الذي يتركه الكتاب ليس متعلقًا بإسرائيل وحدها. إنه درس عن نحن
عن قدرتنا على مواجهة الواقع دون أن نهرب منه إلى الشعارات، عن قدرتنا على أن نسأل لماذا يتقدم غيرنا، لا لكي نقلده، وإنما لكي نفهم أسباب القوة والضعف، وعن شجاعتنا في الاعتراف بأن حب الوطن لا يعني أن نخبره دائمًا أنه بخير، بل أن نحذره حين نراه يسير نحو الخطأ، فالأمم لا يحميها الذين يقولون لها ما تحب أن تسمعه فقط، يحميها أيضًا الذين يملكون الشجاعة ليقولوا لها ما تحتاج إلى سماعه، بعد كل هذه العقود يبقى السؤال الذي يمكن أن نضعه أمام غلاف "كنت في إسرائيل
هل كان إبراهيم عزت يريد أن نعرف إسرائيل، أم كان يريد، من حيث لا يدري، أن نتعلم كيف نعرف أنفسنا؟
وربما تكون الحكمة الأخيرة أشد بساطة وأشد قسوة، من لا يعرف خصمه قد يخسر معركة أما من يجهل نفسه فقد يخسر أمةً كاملة من الزمن