حين تختلّ معادلة القيمة بين الإنسان والرقم
خاطرة صباحية
صباح اليوم لم يكن عادياً… مرّت أمامي أرقامٌ وأسماء، لكنها لم تبدُ مجرد بيانات، بل بدت كوجوهٍ غابت خلفها حكايات عمرٍ طويل من العمل والعطاء. كان المشهد مؤلماً؛ أن يتحول الوفاء إلى أرقام في جداول، بينما يقف من خدموا سنواتٍ طويلة يبحثون عن حقٍ أساسي كالتأمين الصحي. وفي ظل ما يُتداول عن مكافآت تُمنح في قطاع الطيران، يبقى السؤال معلقاً: هل يُكافأ الحاضر وحده… ويُترك الماضي بلا سند؟
خاطرة مسائية
مع هدوء المساء، بدا المشهد أكثر وضوحاً… تلك الأرقام التي ظهرت في النهار لم تعد مجرد تفاصيل عابرة، بل تحولت إلى مؤشر على طريقة تفكير كاملة في إدارة القيمة داخل المؤسسات. طريقة ترى النتائج الآنية، لكنها لا تعود كثيراً إلى الجذور التي صنعت هذه النتائج
ما لفت انتباهي لم يكن حجم المبالغ، بل الفارق بين من تشملهم القرارات اليوم، ومن غابوا عنها رغم دورهم في الأمس. هناك فجوة لا تُقاس بالأرقام، بل تُقاس بالإنصاف… بين ما يُمنح الآن، وما يُفترض أن يبقى محفوظاً لمن سبق
من زاوية مالية، يمكن تفسير المشهد بسهولة؛ شركات تتجاوز أزماتها، تعيد ترتيب أولوياتها، وتمنح حوافز لتعزيز الأداء. وفي بعض النماذج، تمتد ثمار النجاح لتشمل الموظفين عبر مكافآت أو رواتب إضافية تعكس روح المشاركة. لكن الصورة لا تكتمل إذا غاب طرف أساسي منها… المتقاعد
هنا يظهر واقع لا يحتاج إلى تحليل نظري بقدر ما يحتاج إلى إنصاف مباشر؛ فالكثير ممن أنهوا سنوات خدمتهم يجدون أنفسهم اليوم يتحملون تكاليف تأمينهم الصحي بأنفسهم، ولعائلاتهم أيضاً. وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً، بل تحوّل في العلاقة بين الفرد والمؤسسة… من شراكة طويلة إلى انقطاع مفاجئ
في علم الإدارة، يُنظر إلى العنصر البشري كأهم مورد استراتيجي، لكن الإشكالية تبدأ حين يصبح هذا المورد خارج الحساب بمجرد انتهاء دوره الوظيفي. عندها لا يكون الخلل في الأرقام، بل في طريقة تقييم القيمة ذاتها. لأن القيمة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء الخدمة، بل تستمر بقدر ما تتركه من أثر… والمؤسسة التي لا تحافظ على هذا الأثر، تفقد جزءاً من توازنها، حتى وإن بدت ناجحة في ظاهرها
التساؤل هنا ليس اعتراضاً على الحوافز، بل دعوة لإعادة النظر في شموليتها: كيف يمكن توزيع المكاسب على الحاضر دون الالتفات إلى من ساهموا في صنعها؟ وكيف تُبنى سياسات مالية دقيقة دون أن ترافقها رؤية إنسانية متكاملة؟ الإدارة المتزنة لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بقدرتها على تحقيق العدالة في توزيع نتائج هذه الأرباح. والعدالة في هذا السياق لا تعني المساواة الرقمية، بل تعني حفظ الحقوق وفق ما قُدّم من عطاء
هناك قاعدة معروفة في الفكر الإداري تقول: "قوة أي نظام تظهر في طريقة تعامله مع من هم خارج دائرة التأثير". والمتقاعد غالباً ما يكون في هذه المساحة… خارج القرار، رغم أنه كان يوماً جزءاً من صناعته
من هنا، يصبح الحفاظ على كرامة هذه الفئة - وخاصة في جانب حيوي كالرعاية الصحية - ليس عبئاً مالياً، بل خياراً يعكس نضج المؤسسة. بل ويمكن النظر إليه كاستثمار في سمعتها، وفي شعور العاملين الحاليين بالأمان لمستقبلهم
حين تغيب هذه النظرة، تتحول الأرقام إلى هدف نهائي، وتفقد دورها كوسيلة. وتصبح النتائج المالية أقوى حضوراً من الاعتبارات الإنسانية. ما بدا أمامي لم يكن خطأً محاسبياً، بل خللاً في ترتيب الأولويات
ومتى ما اختل هذا الترتيب، قد تستمر النتائج الإيجابية، لكن على حساب معنى أعمق… معنى الانتماء
في ختام هذا المساء، لم يكن في الذهن حكم جاهز، بل تساؤل مشروع: هل يمكن إعادة صياغة مفهوم النجاح ليشمل من كانوا جزءاً من الرحلة، لا من هم فيها فقط؟
الخلاصة التي استقرت في داخلي: أن الأرقام قد تعكس تقدماً… لكن القيم وحدها تضمن الاستمرار بثقة واحترام