الضفة الغربية… حين تتكلم الذاكرة
خاطرة صباحية
في صباحٍ كهذا، لا يمرّ الوقت كأي يومٍ عابر. إنه صباح يحمل في داخله صدى ذكرى وحدة الضفتين 1950، وكأن التاريخ يطرق الباب بهدوء، لا ليُذكّر فقط، بل ليُعيد طرح السؤال من جديد: ماذا تعني تلك اللحظة اليوم؟ ستة وسبعون عاماً مرّت منذ أن التقت الإرادتان، الأردنية والفلسطينية، في مساحةٍ واحدة، تحت ضغط الخوف، وبدافع الأمل. لم يكن القرار آنذاك مجرد خطوة سياسية، بل كان انعكاساً لحاجة الناس إلى سندٍ يحمي ما تبقى بعد جرح النكبة 1948
وفي هذا الصباح أيضاً، لا تقف الذاكرة عند تلك اللحظة وحدها، بل تمتد إلى ما هو قريبٌ في الزمن، عميقٌ في المعنى. فبعد أسابيع قليلة، سيستقبل الأردنيون ذكرى عيد الاستقلال الأردني، التي تبلغ هذا العام ثمانين عاماً، وكأن التاريخ ينسج خيوطه بين محطاته، ليقول إن الحكاية واحدة، وإن التجارب، مهما اختلفت، تظل مترابطة في جوهرها
ثمانية وثلاثون عاماً من التداخل الإنساني والسياسي، قبل أن يأتي فك الارتباط 1988، لا كقطيعة، بل كتحوّل فرضته مرحلة جديدة. لكن ما بُني في تلك السنوات، لم يكن قابلاً للزوال، لأنه لم يكن مجرد قرار… بل تجربة إنسانية كاملة
خاطرة مسائية
حين يأتي المساء، لا يحمل معه السكون فقط، بل يحمل وضوحاً قاسياً لا يتيحه النهار. في هذا الوقت، تتراجع العاطفة قليلاً، ويتقدم الفهم. وهنا، تبرز لحظة فك الارتباط 1988، لا كحدثٍ عابر في سجل السياسة، بل كنقطة تحوّل عميقة في مسار العلاقة بين الضفتين
لم يكن فكّ الارتباط قراراً سهلاً، ولا خياراً مريحاً. لم يكن إعلان نهاية، بقدر ما كان اعترافاً بأن المرحلة تغيّرت، وأن الأدوات القديمة لم تعد قادرة على حمل الأسئلة الجديدة. كان القرار، في جوهره، انتقالاً من صيغةٍ إلى أخرى، لا انقطاعاً في الجوهر
في تلك اللحظة، لم تنفصل القلوب، بل تبدلت الأدوار. الأردن، الذي حمل لسنوات عبء العلاقة السياسية والإدارية، أعاد تعريف موقعه، محاولاً أن يفسح المجال أمام هوية فلسطينية تبحث عن تمثيلها الخاص. والفلسطيني، من جهته، وجد نفسه أمام مسؤوليةٍ أكبر: أن يتحول من جزءٍ من معادلة مشتركة، إلى صاحب قرارٍ كامل في معركة لم تكن يوماً سهلة
المساء يكشف لنا ما لم يُقل بصوتٍ عالٍ: أن فكّ الارتباط لم يكن تخلياً، بل كان نوعاً من إعادة التمركز
لم يكن قطعاً للجسور، بل محاولة لإعادة رسمها بطريقةٍ مختلفة. لكن، وهنا تكمن الحقيقة الأعمق، أن ما تشكّل خلال ثمانية وثلاثين عاماً لم يكن قابلاً للانفصال الكامل. العلاقات الإنسانية لا تُفكّ بقرار، والذاكرة المشتركة لا تُمحى بمرسوم. هناك ما هو أعمق من السياسة: حياة عاشها الناس معاً، تفاصيل يومية، مصاهرات، قصص، لهجات، ووجدانٌ تشكّل ببطء، حتى أصبح جزءاً من الهوية
ومن هنا، فإن قراءة فكّ الارتباط كقطيعة تامة هي قراءة ناقصة. لأنه، في حقيقته، كان تحولاً في الشكل، لا في الجوهر. بقيت الروابط، وبقي التأثير المتبادل، وبقيت المسؤولية الأخلاقية، حتى وإن تغيّرت الصيغة السياسية. اليوم، حين ننظر إلى تلك اللحظة من مسافة الزمن، ندرك أنها لم تكن نهاية مرحلة فحسب، بل بداية اختبار جديد: هل يستطيع شعبان عاشا تجربة واحدة، أن يحافظا على معناها، حتى حين تتغير الظروف؟ إن الخطر لا يكمن في القرار ذاته، بل في طريقة فهمه. فإذا فُهم على أنه انفصال، فقد يتحول إلى شرخ. أما إذا فُهم على أنه إعادة تعريف، فإنه يصبح خطوة نحو نضجٍ أكبر في العلاقة
وفي المساء، حيث تكون الرؤية أكثر صفاءً، يظهر الدرس بوضوح: أن العلاقات التي تُبنى على الحاجة قد تتغير، لكنها لا تنتهي. وأن ما يجمع الأردني والفلسطيني ليس مجرد مرحلة تاريخية، بل تجربة وجودية عميقة
ولهذا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على الماضي، بل على الحاضر: كيف نحفظ ما كان، دون أن نبقى أسرى له؟ وكيف نبني ما هو قادم، دون أن ننسى ما جمعنا؟ الجواب ليس في العودة إلى الوراء، ولا في القطيعة، بل في الوعي. وعيٌ يدرك أن فكّ الارتباط كان لحظة سياسية، لكن الارتباط الحقيقي… بقي
موعظة للشعبين الأردني والفلسطيني
للأردنيين: قوة الأردن كانت دائماً في قدرته على استيعاب التعقيد دون أن ينكسر، وفي حفاظه على تماسكه رغم العواصف. فابقوا كما كنتم: مساحة توازن، لا ساحة انقسام
للفلسطينيين: معركة الهوية تحتاج وضوحاً ووحدة، فالقضية العادلة لا تضعف من الخارج بقدر ما تضعف حين تتشتت من الداخل
وللشعبين معاً: ما يجمعكم ليس ذكرى… بل تجربة حيّة. فلا تجعلوا الاختلاف يطمس الحقيقة الأهم: أن المصير، مهما بدا منفصلاً، يبقى متشابكاً في العمق
الحكمة المستخلصة
ليست العبرة في أن الوحدة استمرت أو أن فكّ الارتباط حدث، بل في فهم ما بينهما. أن ما يُبنى تحت ضغط الحاجة يمكن أن يصمد، إذا تحوّل إلى وعيٍ دائم. وأن التاريخ لا يعطينا إجابات، بل يترك لنا إشارات
وفي النهاية… يبقى النهر جارياً، لا يسأل ضفتيه لماذا افترقتا. لكن الإنسان وحده، يملك القدرة أن يفهم… وأن يختار ألا يكرر الطريق ذاته