السائق بين الكاميرا وفنجان القهوة
بصفتي طيارًا متقاعدًا، أمضيت سنوات من عمري أتنقل بين مدن العالم، من أكثرها ازدحامًا إلى أكثرها انضباطًا. رأيت كيف تُدار الطرق، وكيف تُبنى القوانين، وكيف تُفهم العلاقة بين الإنسان والنظام
لكن، وبكل صراحة، لم أصادف ما يحدث اليوم في مدينتي… عمّان
في كل تلك المدن، كانت القاعدة واضحة: ابدأ بإصلاح الطريق… ثم حاسب السائق. ابدأ بالبيئة… ثم عالج السلوك. أما هنا، فالمعادلة تبدو مقلوبة تمامًا
في عمّان، لم يعد السائق يقود فقط، بل يعيش تحت اختبار دائم للتفاصيل: هل يده في المكان الصحيح؟ هل شرب قهوته؟ هل التفت؟ هل تحرّك بطريقة “قد تُفسَّر” كمخالفة؟
في المقابل، تبقى الأسئلة الحقيقية معلّقة: من يُحاسب الطريق؟
من يُراجع التخطيط؟
من يُعالج الاختناقات التي أصبحت جزءًا من يوم الناس؟
كيف يمكن لمدينة تعاني من ضغط مروري خانق، وبنية تحتية تحتاج إلى مراجعة، أن تُقنع الناس بأن الأولوية هي… فنجان قهوة؟
الأمر لم يعد يبدو تنظيمًا، بل انشغالًا بما هو أسهل في الرصد، لا بما هو أعمق في الحل
في المدن التي نجحت فعلًا- سواء في أوروبا أو شرق آسيا أو حتى في مدن عربية متقدمة- لم تكن البداية بملاحقة التفاصيل الصغيرة. لم تُبنَ السلامة على تتبع كل حركة يد، بل على وضوح الطريق، دقة الإشارات، وانسيابية الحركة
هناك فرق كبير بين: قانون يُنظّم… وقانون يُربك. بين نظام يُقنعك بالالتزام… ونظام يدفعك لتجنب المخالفة فقط. ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا مباشرًا: من صاحب هذه الفكرة؟ وعلى أي أساس بُنيت؟
هل هناك دراسات ربطت فعليًا بين هذه السلوكيات اليومية البسيطة—كشرب القهوة—وبين نسب الحوادث؟
هل هناك نموذج عالمي يُحتذى يضع هذه التفاصيل في صدارة الأولويات؟
أم أننا أمام توسّع في تعريف المخالفة، بلا عمق حقيقي في تعريف المشكلة؟
التناقض لا يتوقف هنا. المركبات الحديثة، التي تُصمَّم وفق أعلى المعايير العالمية، تحتوي على أماكن مخصصة للأكواب والاستخدامات اليومية. هذه ليست رفاهية، بل جزء من فهم سلوك السائق وتخفيف التوتر أثناء القيادة
تُباع هذه السيارات، وتُرخّص، وتُعتمد… ثم يُطلب من السائق أن يتجاهل هذا التصميم وكأنه خطأ. أي منطق يقبل هذا التناقض؟
حين يصل القانون إلى مرحلة يُجرّم ما هو طبيعي في التصميم والسلوك، فهو لا يصبح أكثر صرامة… بل أقل إقناعًا
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية
أنا، كطيار، تعلمت أن السلامة لا تُبنى على معاقبة الخطأ فقط، بل على منع حدوثه من الأساس
في الطيران، لا ننتظر الطيار ليُخطئ ثم نحاسبه… بل نصمّم النظام بحيث يقلّ الخطأ إلى أدنى حد
فلماذا لا تُطبّق هذه الفلسفة على الطرق؟ لماذا يتم التركيز على السائق كأنه المصدر الوحيد للخطر، بينما تُترك البيئة التي تُنتج الخطأ خارج دائرة المساءلة؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد تشديد رقابي… بل إعادة توجيه للبوصلة. بوصلة تُشير إلى الأسهل: التقاط المخالفة… لا حل المشكلة. توسيع العقوبة… لا تحسين الواقع
وفي النهاية، النتيجة واضحة لكل من يقود في شوارع عمّان: شعور بأنك مُراقَب أكثر مما أنت مُخدوم
ومُحاسَب أكثر مما أنت مُنظَّم. وهذه ليست علامة على نظام قوي… بل على خلل في ترتيب الأولويات
عمّان التي نحب، لا تستحق أن تُختصر مشكلاتها في يد تحمل كوبًا. ولا أن تُدار بعقلية ترى التفاصيل الصغيرة، وتتجاهل الصورة الكبرى
لأن المدن لا تنهض بالكاميرات وحدها… بل بالعدالة، والمنطق، واحترام عقل الإنسان
وعندما يغيب ذلك… لا يبقى أمام الناس إلا سؤال واحد: هل نحن نعالج المشكلة… أم نبحث عن طريقة أسهل لالتقاطها؟