حين يفقد الصوم بوصلته
الخاطرة الصباحية
مرّ أسبوع على رمضان في عمّان، وكأن المدينة دخلت شهرًا لا يشبه اسمه. بدل أن يسكب الشهر في القلوب سكينةً، انفتحت أبواب الفوضى والاستهلاك. الأسواق تتصرّف كأن المجاعة على الأبواب، الموائد تُعدّ وكأن الامتنان اختفى، والشوارع تضيق كأن الناس يهربون من شيء لا يعرفونه. يبدو أننا نصوم عن الطعام… لكننا نأكل كل ما هو أهم: الهدوء، النية، والروح. وهكذا يصبح رمضان حاضرًا في التقويم، وغائبًا عن النفوس
الخاطرة المسائية
في ليالي عمّان الرمضانية، تتجلّى مفارقة لا تخطئها عين: شهرٌ نزل ليهذب الرغبة، فإذا به يشعلها. فالأسواق تضجّ بحشودٍ تتسابق إلى الشراء، وكأن الامتلاء ضرورة روحية، لا حاجة مادية. يتصاعد الاستهلاك كمنسوب ماءٍ في نهرٍ مائج، بينما يقف الفقراء على الضفة الأخرى، يراقبون غرق المدينة في الوفرة… دون أن تصل إليهم قطرة
موائد تُفرش لا احتفاءً بالنعمة، بل استعراضًا لها. أطباق تُجهّز بكميات تكفي لحياةٍ كاملة، لتُرمى في دقائق. عزائم كان يُفترض بها أن تجمع القلوب، فإذا بها تجمع المقارنات. فيصبح الكرم مرآة للذات لا للآخر، وتتحول الضيافة إلى إعلان تجاريّ للعائلة لا فضيلة لها. تُستبدل صلة الرحم برغبةٍ في أن يقال… وتستبدل البركة بوهم الامتلاء
وفي الخارج، الشوارع تكرر الحكاية ذاتها كل مساء. دقائق ما قبل الأذان تتحول إلى لحظة فقدان جماعي للعقل. سيارات تتشابك، أبواق تتعارك، وأنفاس تتسارع. وكأن الطريق امتحانٌ للإيمان أشدّ من الصيام نفسه. يُنسى الصبر، ويهرب الهدوء، ويظل النداء الداخلي يقول: كيف صار الصوم يرهق الأعصاب بدل أن يريحها؟
ثم ينزل الليل، فتُستكمل الحلقة
شاشاتٌ تحتل العقول كما تحتل السيارات الطرق. أعمال درامية تُدير المزاج الجمعي، وبرامج الطبخ تتلوّح كطقوس بديلة عن العبادات. وكأن المدينة تعيد تعريف رمضان على هواها: شهر للعرض لا للتقشف، وللشبع لا للامتناع. كأننا نؤدي كل شيء… إلا ما جئنا من أجله
إن رمضان ليس موسمًا للحوم المتكدسة ولا للطرقات المزدحمة، بل مساحة لمراجعة موقع الروح من الجسد، والعقل من الرغبة، والإنسان من الإنسان. السؤال الذي يطلّ كل مساء كآذانٍ داخلي
هل نصوم عن الطعام… أم عن التشويش الذي يلتهمنا؟
هل نمسك عن اللقمة… أم عن العادات التي ابتلعت معنى الشهر منذ زمن؟
ربما لم يتأخر الوقت بعد، لكن الذي يتأخر حقًا… هو اليقظة