المساجد في الأردن: بناء غير منظم

الخاطرة الصباحية
في الأردن، حيث تُرفع المآذن شاهدةً على حضور الروح في الحياة اليومية، يبدو أن قدسية المكان لم تعد تكفي أمام غياب التخطيط. فالمساجد التي بُنيت لتكون محاريب للسكينة، تحولت – دون تنظيمٍ أو مراعاةٍ للبنية التحتية – إلى نقاط تشبك عندها الطرق، وتنعقد فيها أزمات المرور. إن خللًا واحدًا في المعمار يفقد المكان معناه، فالمسجد الذي لا يحتضن محيطه يصبح مكانًا للعبادة من الداخل… ومصدرًا للضيق خارجه

الخاطرة المسائية

كلما أقبل الليل على المدن الأردنية، بدت المساجد كنجومٍ أرضية تضيء الطرقات. غير أنّ هذه الأنوار لا تحجب ظلال المشكلة المتنامية حولها: مساجد تنمو كالبذور على عجل، بلا جذور في التخطيط، بلا امتداد في المواقف، وبلا رؤية تستوعب أثرها على حياة الناس. وكأن البناء اكتفى بالرمز وترك الواقع ليتدبّر نفسه وحده

لقد صار المشهد مألوفًا حد الألم: شوارع تختنق في أيام الجمعة وليالي رمضان، سيارات تصطف كصفوف الصلاة ولكن فوق الأرصفة ووسط الطرق، ومارة يبحثون عن ممرّ لا يسدّه خطأٌ عمره حجرٌ بلا حساب. والأسوأ أن هذه الفوضى لا تعيق المرور فقط، بل تُهدّد أرواحًا إذا جاء طارئٌ يحتاج لسيارة إسعافٍ لا تجد طريقًا، أو لسيارة إطفاءٍ تتعثر عند أول منعطف

إنّ المشكلة ليست في المسجد ذاته، بل في غياب الفلسفة التي تمنح المكان معنى يتجاوز الجدران. فالمسجد ليس بناءً يقف وحيدًا؛ إنه علاقةٌ مع البيئة والناس والطريق. وعندما تمنح التراخيص بلا دراسة، تتحول النية الحسنة إلى نتائج قاسية؛ وتغدو البركة عبئًا مروريًا، لا لأن المكان مقدّس، بل لأن الفوضى دنّسته من الخارج

الحل لا يبدأ من الشكوى، بل من إعادة تعريف معنى البناء الديني
أن يُبنى المسجد كجزء من نسيج المدينة لا كجسمٍ طارئ عليها؛
أن تُفرض مواقف كافية قبل الرخصة، لا بعد تفاقم الكارثة؛
أن يُعاد النظر في المساجد القائمة بحثًا عن مخارج إنقاذ حضرية؛
أن تتحول الرقابة من حضورٍ اسميٍّ إلى فعلٍ يمنع تجاوزًا لا يليق بالمكان

فالقداسة لا تُلغي المسؤولية، بل تزيدها. والمسجد الذي يشوّه الشارع بغير قصد يفقد شيئًا من رسالته. إن الحكمة تقتضي أن يعود البناء إلى أصله: شهادةَ جمالٍ لا عبئًا، وبابًا للسكينة لا بدايةً لازدحام

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

حين يفقد الصوم بوصلته

Next
Next

التقاعد: بداية الحياة التي كنت تؤجلها