السياقة في عمّان
خاطرة صباحية
أبدأ نهاري في زحامٍ لا يختبر مهارتي بقدر ما يختبر أخلاقي
شوارع عمّان ليست طرقًا فقط، بل مرايا صغيرة نرى فيها أنفسنا كما نحن
كيف نصبر، كيف نغضب، وكيف نتصرف حين نمسك المقود ونشعر بتفوّقٍ عابر
كل إشارة مرورٍ امتحان، وكل دوّارٍ درسٌ في احترام الآخر،
وفي تلك الثواني بين فراملٍ وضوءٍ أحمر، ينكشف الإنسان بلا أقنعة
خاطرة مسائية
مع المساء، يعود السؤال نفسه أكثر ثِقَلًا
هل نحتاج قوانين أشد، أم ضمائر أصدق؟
فالمدينة لا تُقاس بعدد أنفاقها، بل بمدى تهذيب سلوك من يعبرونها
القيادة في عمّان لم تعد فعل تنقّلٍ بريئًا، بل طقسًا اجتماعيًا مضغوطًا،
تظهر فيه هشاشتنا الجماعية
تجاوزٌ من اليمين، استهانةٌ بإشارة، أبواقٌ تصرخ عن ضيقٍ داخلي قبل أن تعبّر عن استعجال
تفاصيل صغيرة، لكنها تروي حكاية مجتمعٍ يسبق فيه الانفعال الوعي
الفوضى المرورية ليست مشكلة إسفلت، بل مشكلة معنى
ففي كل تجاوزٍ غير مبرر خللٌ في فكرة “المساحة المشتركة”،
وفي كل استهتارٍ بالمشاة إعلانٌ صامت بأنّ القوة المؤقتة أهم من الحقّ العام
هكذا تتحوّل الطرق إلى مسارح توتر،
وتفقد القيادة لغتها المدنية لتصبح صراعًا يوميًا على الأفضلية والأحقية
ورغم الجسور والأنفاق والاستثمارات الكبيرة،
يبقى العطب في البنية السلوكية لا في البنية التحتية
فالطريق الذي لا يشعر فيه السائق بالعدالة،
يفقد فيه احترامه للقانون،
ويتحول السير من تعاونٍ ضمني إلى سباقٍ بلا قواعد
الإصلاح الحقيقي يبدأ من التربية، لا من الغرامة وحدها
من تعليم الطفل أن احترام الإشارة احترامٌ للحياة،
وأن الطريق ليس غابةً ولا ميدانَ إثباتٍ للذات،
بل مساحةٌ عامة تُدار بالمسؤولية لا بالاندفاع
ثقافة مرورية تُزرع في المدرسة،
وتُدعَم في الإعلام،
وتُعاد صياغتها كقيمة أخلاقية لا كخوفٍ من العقوبة
فالقيادة، في جوهرها، حركة وعي قبل أن تكون حركة عجلات
السائق الجيد ليس من يناور بمهارة،
بل من يضبط نفسه حين يستطيع أن يتجاوز ولا يفعل
وحين يصبح الالتزام سلوكًا داخليًا لا استجابةً قسرية،
تستعيد المدينة إيقاعها الإنساني،
ويتحوّل الطريق من ساحة صراع إلى مساحة تعايش منضبط
وفي نهاية كل ازدحام، لا يبقى السؤال
كم استغرقنا للوصول؟
بل: ماذا ترك الطريق فينا؟
فالقوانين قد تنظّم السير،
لكن الأخلاق وحدها هي التي تنظّم الحياة،
والمدينة التي تتعلّم كيف تسير بهدوء،
تتعلّم أيضًا كيف تمضي بثقةٍ في مستقبلها