حين تُؤكل القيم على مائدة القوة

خاطرة صباحية

ما أصدق الرياضة حين تُنقذ الإنسان من هوياته الضيّقة،
وما أقساها حين تُستعمل لإعادة فرز العالم أخلاقيًا على مقاس القوة
الرياضة وُلدت لغةً كونية، تُذكّرنا أن الجسد واحد، والتعب واحد، والانتصار لحظة إنسانية لا وطنية
لكن حين تُمسك السياسة بالمقود، تفقد الملاعب براءتها،
وتتحوّل من مساحات لقاء إلى منصّات اصطفاف،
فنكتشف أن المشكلة ليست في الرياضة، بل في المعايير التي حُمّلت فوق طاقتها

خاطرة مسائية

مع المساء، يتضح أن الحدث الرياضي لم يعد يُقاس بالنتائج، بل بالرسائل
الملاعب لم تعد مساحات حياد، بل شاشات كبيرة تُعرض عليها صراعات المعنى والهيمنة
فما جرى في افتتاح أولمبياد باريس لم يكن مجرد عرض فني،
بل اختبارًا صريحًا لحدود ما يُسمّى حرية،
حين تتحوّل الرموز الدينية إلى أدوات استفزاز،
ويُعاد تقديم السخرية باعتبارها شجاعة فنية

الفنّ لا يفقد قيمته حين يُثير الأسئلة،
بل حين يُهين باسم الجرأة،
وحين تُستعمل الحرية لتأكيد تفوّق ثقافي لا لفهم الآخر
فالحرية التي لا ترى حدود كرامة المختلف،
لا تُحرّر، بل تُهيمن،
وتتحوّل من مبدأ إنساني إلى أداة استعلاء ناعمة

وفي السياق ذاته، جاء حظر روسيا من المشاركة الأولمبية ليكشف وجهًا آخر للازدواجية
فالرياضي الذي يُعاقَب على قرار دولته،
يُحمَّل وزر سياسة لم يكن يومًا صانعها،
بينما تُمنح دول أخرى صكّ البراءة الرياضية
رغم عدوانها المفتوح، ومجازرها الموثّقة،
لأنها تقف في الجهة “الصحيحة” من الخريطة السياسية

كيف تُصبح العدالة صارمة في أوكرانيا،
ومرِنة في غزة؟
كيف يُجرَّد الرياضي من حقه باسم الأخلاق،
بينما تُصفّق المنصّات نفسها لدمٍ آخر لأن فاعله حليف؟
هنا لا تنهار السياسة فقط،
بل تنهار الفكرة ذاتها: فكرة العدالة

العدالة الانتقائية ليست عدالة،
والقيم التي تُستخدم وفق المصلحة تتحوّل إلى ديكور دبلوماسي
حين تُفصل الأخلاق عن شمولها،
تغدو سلاحًا بيد الأقوى، لا ميزانًا للحق

الرياضة، التي وُجدت لتكون استراحة من صراعات العالم،
أُعيد جرّها إلى قلب النزاع
صار الرياضي سفيرًا قسريًا لصراعٍ لا يملك فيه صوتًا،
وصارت الميدالية مشروطة بالولاء،
لا بالجهد أو الاستحقاق

وحين يُستبدل المبدأ بالموقف،
وتُقاس الحرية بمن يملك المنصّة،
ويُعاد تعريف الفن كقدرة على الاستفزاز لا على التلاقي،
نكتشف أن الأزمة أعمق من حدثٍ رياضي أو عرضٍ فني

إنها أزمة معايير
أزمة عالمٍ يتحدّث عن الكرامة صباحًا،
ويُساوم عليها مساءً
يُدين العدوان حين يخدم الإدانة،
ويصمت حين تصبح الحقيقة مكلفة

وفي هذا السياق، يبدو “العشاء الأخير” الذي أثار الجدل
أكثر من مشهد فني؛
كأنه استعارة مكثفة لعالمٍ يتقاسم القيم على مائدة المصالح،
حيث تُقدَّم الأخلاق كطبقٍ ثانوي،
وتُرفع كؤوس الانتصار فوق صمت الضمير

الرياضة لم تخن رسالتها،
بل استُخدمت خارج معناها
والحرية لم تُخطئ طريقها،
بل جرى تأويلها لخدمة القوة
أما العالم،
فلا يواجه أزمة رياضة أو سياسة فقط،
بل امتحانًا أخيرًا في صدق ما يدّعي أنه يؤمن به

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

حين يصفّق الضمير لغيابه

Next
Next

السياقة في عمّان