حين يصفّق الضمير لغيابه
خاطرة صباحية
لم يكن التصفيق في قاعة الكونغرس الأمريكي تأييدًا لسياسةٍ بعينها، بل علامةَ انكشافٍ لأزمةٍ أعمق في الضمير السياسي. تصفيقٌ امتدّ لأن الكلمات لم تكن بحاجة إلى إقناع، إذ غابت القناعة أصلًا، فحلّ الإيقاع محلّ التفكير. حين تُصفّق مؤسساتٌ تُعرِّف نفسها بوصفها حارسة القيم لمن تتراكم خلفه مقابر المدنيين، لا يعود الخلل في الخطاب، بل في المعايير التي سمحت له أن يُقال دون مساءلة. ذلك المشهد لم يُعلن قوة تحالف، بل أظهر عجزًا أخلاقيًا عن التمييز بين إدارة المصالح وتبرير العنف، وبين السياسة بوصفها مسؤولية، والسياسة بوصفها اصطفافًا أعمى
خاطرة مسائية
المأساة لم تكن في أن يتحدّث بنيامين نتنياهو؛ فالساسة يتحدّثون دائمًا. المأساة كانت في أن يتحوّل البرلمان إلى جمهور، وأن يُستبدل السؤال بالتصفيق، والمساءلة بإيقاع الأيدي. لم نشهد خطابًا سياسيًا بقدر ما رأينا عرضًا مسرحيًا محكم الإخراج: كاميرات مضبوطة، لقطات محسوبة، ووجوه تُصفّق قبل أن تفكّر، كأن التصفيق صار لغةً بديلة عن العقل. طول التصفيق لا يدلّ على إعجاب بالفكرة، بل على خوفٍ من الخروج عن النصّ؛ فالقاعة لم تُظهر دعمًا بقدر ما كشفت خضوعًا لمنظومة نفوذٍ لم تعد تضغط على القرار من خارجه، بل استوطنت بنيته من الداخل. هنا يتحوّل اللوبي من فاعلٍ سياسي إلى كاتبٍ غير معلن للنصّ، يُحدّد ما يُقال وما لا يُسأل، ومن يُصفَّق له ومن يُقصى
في هذا الانزلاق، تُستبدل الأخلاق بالمنفعة: تُدان الانتهاكات حين تقع خارج الدائرة، وتُبرَّر حين تقع داخلها. تصبح القيم أداةً ظرفية لا مبدأً كونيًا، ويغدو الصمت—حين يكون ممكنًا—مشاركةً غير مباشرة. خارج القاعة، تُحصي غزة أسماء موتاها؛ وداخلها، تُحصى مرات التصفيق. بين الصوتين، تتّسع الهوّة بين الواقع والتمثيل، بين الألم الحقيقي والخطاب المُزيَّن. التاريخ لا يتوقّف عند الميكروفونات ولا يُخدَع بطول التصفيق؛ ما يُكتب في ذاكرة الشعوب ليس ما قيل في القاعات، بل ما فُعل على الأرض. التصفيق يزول، أمّا الحقيقة فتبقى