حين يصفّق الضمير لغيابه

خاطرة صباحية
لم يكن التصفيق في قاعة الكونغرس الأمريكي تأييدًا لسياسةٍ بعينها، بل علامةَ انكشافٍ لأزمةٍ أعمق في الضمير السياسي. تصفيقٌ امتدّ لأن الكلمات لم تكن بحاجة إلى إقناع، إذ غابت القناعة أصلًا، فحلّ الإيقاع محلّ التفكير. حين تُصفّق مؤسساتٌ تُعرِّف نفسها بوصفها حارسة القيم لمن تتراكم خلفه مقابر المدنيين، لا يعود الخلل في الخطاب، بل في المعايير التي سمحت له أن يُقال دون مساءلة. ذلك المشهد لم يُعلن قوة تحالف، بل أظهر عجزًا أخلاقيًا عن التمييز بين إدارة المصالح وتبرير العنف، وبين السياسة بوصفها مسؤولية، والسياسة بوصفها اصطفافًا أعمى

خاطرة مسائية
المأساة لم تكن في أن يتحدّث بنيامين نتنياهو؛ فالساسة يتحدّثون دائمًا. المأساة كانت في أن يتحوّل البرلمان إلى جمهور، وأن يُستبدل السؤال بالتصفيق، والمساءلة بإيقاع الأيدي. لم نشهد خطابًا سياسيًا بقدر ما رأينا عرضًا مسرحيًا محكم الإخراج: كاميرات مضبوطة، لقطات محسوبة، ووجوه تُصفّق قبل أن تفكّر، كأن التصفيق صار لغةً بديلة عن العقل. طول التصفيق لا يدلّ على إعجاب بالفكرة، بل على خوفٍ من الخروج عن النصّ؛ فالقاعة لم تُظهر دعمًا بقدر ما كشفت خضوعًا لمنظومة نفوذٍ لم تعد تضغط على القرار من خارجه، بل استوطنت بنيته من الداخل. هنا يتحوّل اللوبي من فاعلٍ سياسي إلى كاتبٍ غير معلن للنصّ، يُحدّد ما يُقال وما لا يُسأل، ومن يُصفَّق له ومن يُقصى
في هذا الانزلاق، تُستبدل الأخلاق بالمنفعة: تُدان الانتهاكات حين تقع خارج الدائرة، وتُبرَّر حين تقع داخلها. تصبح القيم أداةً ظرفية لا مبدأً كونيًا، ويغدو الصمت—حين يكون ممكنًا—مشاركةً غير مباشرة. خارج القاعة، تُحصي غزة أسماء موتاها؛ وداخلها، تُحصى مرات التصفيق. بين الصوتين، تتّسع الهوّة بين الواقع والتمثيل، بين الألم الحقيقي والخطاب المُزيَّن. التاريخ لا يتوقّف عند الميكروفونات ولا يُخدَع بطول التصفيق؛ ما يُكتب في ذاكرة الشعوب ليس ما قيل في القاعات، بل ما فُعل على الأرض. التصفيق يزول، أمّا الحقيقة فتبقى

 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

حين يُستَدرَج الخوف قبل الحدث

Next
Next

حين تُؤكل القيم على مائدة القوة