حين يُستَدرَج الخوف قبل الحدث

خاطرة صباحية

أستقبل الصباح بخبرٍ ثقيل لا يحمل دخانًا ولا مدافع، بل كلماتٍ منتقاة بعناية
يُقال لنا إن الحرب تقترب، فأبحث في الأفق فلا أراها، وأبحث في الوعي فأجدها هناك
أسأل نفسي: هل نحن أمام حربٍ تتشكّل، أم أمام خوفٍ يُعاد إنتاجه؟
فأدرك أن أخطر ما في هذا الصباح ليس ما قد يحدث، بل ما يُزرَع في العقول قبل أن يحدث شيء

خاطرة مسائية

حين يهبط المساء وتخفّ حركة العالم، يعلو ضجيج المصطلحات
تتكرّر عبارة «الحرب الشاملة» حتى تفقد معناها، وتتحوّل من توصيفٍ محتمل إلى أداة ضغطٍ نفسيٍّ دائم
الكلمة، حين تُكرّر بلا سياقٍ عقلاني، لا تشرح الواقع، بل تُعيد تشكيله في أذهان الناس
وهكذا، تُخاض الحرب الأولى لا على الحدود، بل في اللغة

في زمن الإعلام المتخم بالإيقاع السريع، لم يعُد الخبر مرآةً للواقع، بل مُحرّكًا للمشاعر
العناوين تُكتب لتُخيف قبل أن تُفكّر، وتُستعمل المفردات الكبرى لتغطية فراغ التحليل
فالحديث عن «حربٍ شاملة» في منطقةٍ منهكة اقتصاديًا وسياسيًا يبدو أقرب إلى الدراما منه إلى الحسابات العسكرية
الدول التي بالكاد تُدير أزماتها الداخلية لا تُغامر بحروبٍ كبرى، لأن الحروب الشاملة تحتاج فائض قوة، لا فائض أزمات

المشهد الإقليمي، عند التأمل الهادئ، يبوح بالحذر أكثر مما يبوح بالاستعداد
لبنان يفاوض بقاءه يومًا بيوم
سوريا ما زالت تُرمّم ذاكرة حربٍ طويلة
الأردن ومصر يُدركان أن المغامرة الآن ليست بطولة، بل مقامرة بمصير الاستقرار
إيران تُدير نفوذها عن بُعد، بحسابات دقيقة تُفضّل الوكلاء على المواجهة المباشرة
وإسرائيل، رغم خطابها الصاخب، تُدير نارًا مضبوطة لا حريقًا شاملًا، لأن الانفجار الكامل لا يخدم حساباتها السياسية ولا أمنها الداخلي

وسط هذا كله، يصبح السؤال الحقيقي
لماذا الإصرار الإعلامي على استدعاء سيناريو «الحرب الشاملة»؟
الجواب لا يكمن في الخرائط العسكرية، بل في خرائط الوعي
فالخوف، حين يُدار بذكاء، يتحوّل إلى أداة ضبطٍ جماعي
يُخفّف الأسئلة، ويُبرّر القرارات، ويُعوّد الناس على القلق بوصفه حالة طبيعية

هنا تتبدّى أخطر أشكال الصراع
حرب على المعنى
حرب تُجرَّد فيها الكلمات من دقّتها، وتُحمَّل بما يفوق حقيقتها
وحين تتضخّم المفردات، يتقلّص التفكير النقدي، ويُستبدل الفهم بالانفعال

ليست كل حربٍ تُعلن حربًا،
وليست كل لغةٍ صاخبة دليل اقتراب المعركة
أحيانًا تكون الحرب وهمًا يُساق لنا كي نعيش في حالة استعدادٍ نفسي دائم،
لا للقتال، بل للخضوع للقلق

في هذا الزمن، لم تعد الحروب تبدأ ببيانٍ عسكري،
بل بعنوانٍ إخباري
ولم تعد الجبهة الأولى أرضًا،
بل وعيًا
وحين نُدرك ذلك، نكتشف أن أخطر معركةٍ نخوضها اليوم
هي معركة التمييز بين ما يحدث فعلًا
وما يُراد لنا أن نصدّقه

 

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

بيروت تحت القصف

Next
Next

حين يصفّق الضمير لغيابه