خاطرة صباحية

بيروت تُقصف، والخبر يمرّ باردًا كأنه لا يعني أحدًا
أُدرك هذا الصباح أن الخطر لا يكمن فقط في القذائف، بل في اعتيادنا عليها
فالمدينة التي تُدمَّر مرارًا، لا تبحث عمّن يبكيها، بل عمّن يتذكّر أنها جزءٌ من روحه

خاطرة مسائية

مع حلول المساء، حين يهدأ صوت الانفجار ويبقى صداه في الذاكرة، يتكشّف السؤال الأثقل
أين الأمة العربية؟
ليس بوصفها جغرافيا، بل بوصفها معنىً جمعيًا كان يومًا قادرًا على الغضب

بيروت لا تُقصف فقط بالصواريخ، بل تُقصف بالصمت
الصمت الذي صار أعلى من الضجيج، وأقسى من الدمار
تحت الأنقاض لا تختبئ الحجارة وحدها، بل تختبئ الخيبات المتراكمة، وخيبة الاعتقاد بأن الدم العربي ما زال قادرًا على استدعاء موقفٍ واحد

المدينة التي كانت نافذة العرب على العالم، تُترك اليوم وحيدة في مواجهة مصيرها،
بين عواصم منشغلة بحساباتها، ومؤسسات عربية فقدت قدرتها حتى على إصدار بيانٍ يحمل معنى
لم يعد الصمت حيادًا، بل تحوّل إلى موقفٍ غير مُعلن،
موقف يقول إن الألم إذا طال، صار عاديًا،
وإن المأساة إذا تكرّرت، فقدت قدرتها على الإدانة

في الماضي، كانت بيروت جرحًا عربيًا مفتوحًا يُقلق الجميع،
واليوم صارت خبرًا عابرًا في شريطٍ إخباريٍّ مزدحم
وهنا تتجلّى الكارثة الحقيقية
ليس في القصف ذاته، بل في تآكل الحسّ الجمعي،
وفي تحوّل الغضب من فعلٍ أخلاقي إلى ذكرى بعيدة

الصمت العربي لم يعُد نتيجة عجزٍ طارئ،
بل صار ثقافةً مكتملة الأركان،
تعلّمنا فيها كيف نُدير ظهورنا للألم،
وكيف نُقنع أنفسنا أن ما يحدث “أعقد من أن نفهمه”،
فنعفي ضمائرنا من عناء الموقف

وبين هذا الصمت وذلك الركام،
ينشأ جيلٌ جديد يرى القصف جزءًا من المشهد الطبيعي،
لا صدمة فيه ولا دهشة،
جيلٌ يتعلّم أن المدن تُدمَّر،
وأن الأمة تتفرّج،
وأن الغياب لم يعُد استثناءً… بل قاعدة

بيروت اليوم لا تسأل عن بيانات التضامن،
بل عن معنى الانتماء
عن تلك اللحظة التي كانت فيها الأمة تشعر أن ضربةً في مدينةٍ واحدة
هي ضربةٌ في جسدها كلّه
وحين يغيب هذا الشعور،
لا يبقى القصف حدثًا عسكريًا،
بل يتحوّل إلى علامةٍ على انهيار أعمق
انهيار المعنى قبل الحجر

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

الأمّة النائمة

Next
Next

حين يُستَدرَج الخوف قبل الحدث