خاطرة صباحية

كثرةٌ تمشي بلا اتجاه،
كبحرٍ بلا بوصلة
أسأل نفسي
هل العدد قوة، أم عبءٌ حين يغيب المعنى؟

خاطرة مسائية

في المساء، حين تُطفأ الشاشات وتبقى الأسئلة، يتضح الخلل
لسنا فقراء إلى الأخبار، بل إلى الرؤية
نسمع كثيرًا، نختلف أكثر، لكننا نتحرك بلا غاية جامعة

نحو أربعمئةٍ وثمانين مليونًا يتكلمون لغةً واحدة،
لكن اللغة حين تنفصل عن مشروعٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ
تتحول من أداة فعلٍ إلى أرشيف حنين
نتشارك المفردات، ونفترق عند المعاني
نرفع الشعارات ذاتها، لكن كلٌّ يقرأها بميزانه الخاص

تفكّكت الجماعة إلى هوياتٍ صغرى تُدار بالخوف
طائفة تحتمي بالماضي،
وحزب يقدّس ذاته،
ومنطقة تُخاصم غيرها باسم الخصوصية
وهكذا صارت الوطنية مناسبةً خطابية،
لا ممارسةً يومية تُقاس بالعدالة، وبالمسؤولية، وبالواجب العام

يقظة الأمم لا تُستورد، ولا تُفرض بحدثٍ عابر
إنها تُبنى ببطءٍ عنيد
بمشروعٍ ثقافيٍّ يعيد للعقل مكانته،
وبتعليمٍ يُحوّل المعرفة من حفظٍ إلى وعي،
وبدينٍ يُستعاد كمنظومة قيم لا كراية تعبئة،
وبسياسةٍ تُفهم كخدمةٍ عامة لا كغنيمةٍ مؤقتة

المفارقة القاسية أنّ التاريخ لا يكافئ الكثرة تلقائيًا
قِلّةٌ واضحة الهدف، متماسكة القرار،
قادرة على صناعة روايةٍ واحدة والدفاع عنها،
تغلب كثرةً تتنازع سردياتها في سوق الشعارات
فالقوة ليست في العدد وحده،
بل في وضوح الغاية،
وفي صلابة التنظيم،
وفي استقلال الإرادة

الأمّة التي لا تملك مشروعها،
تتحول إلى مادة خام في مشاريع الآخرين،
وإلى هامشٍ يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند القرار
وحين يغيب المشروع،
تصبح الكثرة وهمًا،
ويغدو الضجيج بديلاً عن الفعل

ليست المشكلة أننا نائمون،
بل أننا نحلم بلا خطة
والاستيقاظ الحقيقي لا يبدأ بالصراخ،
بل بسؤالٍ شجاع
أيّ أمّة نريد أن نكون،
وماذا نحن مستعدون أن نغيّر لنستحق هذا الاسم؟

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

الحياة بعد التقاعد

Next
Next

بيروت تحت القصف